بدايات عودة “الدولة الصالحة”..؟

بدايات عودة “الدولة الصالحة”..؟
بدايات عودة “الدولة الصالحة”..؟

كتب صلاح سلام في “اللواء”:

حركة القرارات والإجراءات الحكومية في الأسابيع الأخيرة تشير إلى تحوّل لافت في منسوب حضور الدولة ودورها، بعد سنوات طويلة من التراجع والشلل. فتحريك مساعدات الإيواء وإطلاق ورش إصلاح البنى التحتية في الجنوب، بالتوازي مع التنفيذ الفوري لقرارات السراي لمواجهة تداعيات مآسي الأبنية المتصدعة في طرابلس، وصولاً إلى الاستعداد لمناقشة الرواتب الجديدة للقطاع العام، ليست خطوات معزولة أو ظرفية، بل دلالات واضحة على دينامية ناشطة، تعكس إرادة سياسية لإعادة تكريس دور الدولة كمرجعية راعية ومسؤولة عن مواطنيها.

ففي ملف الإيواء وإعادة التأهيل، تبدو الدولة عازمة على تجاوز منطق ردّات الفعل الآنية  إلى مقاربة أكثر انتظاماً، تقوم على التدخل السريع وتوفير الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي للمتضررين. وهذا يعكس فهماً متجدداً لوظيفة السلطة العامة، بوصفها الضامن الأول لكرامة الناس وسلامتهم، لا مجرد وسيط إداري أو شاهد على الأزمات، والإستسلام لهيمنة أطراف الأمر الواقع، والتي أدت إلى ظهور دويلات داخل الدولة.

أما في طرابلس، فإن التعاطي الجدّي مع مآسي الأبنية المهددة بالسقوط، وتنفيذ القرارات الصادرة عن السراي بلا إبطاء، فيحمل دلالة إضافية: لا مناطق متروكة ولا ملفات منسية. فاستعادة ثقة المواطنين تبدأ من شعورهم بأن الدولة حاضرة في تفاصيل حياتهم اليومية، وأنها تتحمّل مسؤولياتها كاملة، خصوصاً في القضايا التي تمسّ السلامة العامة والحق في السكن الآمن.

وفي موازاة ذلك، يكتسب التحضير لمناقشة الرواتب الجديدة للقطاع العام أهمية خاصة. فالإنصاف المطلوب للعاملين في الإدارات والمؤسسات الرسمية لا يندرج فقط في إطار تحسين الأجور، بل في سياق إعادة الاعتبار إلى الإدارة العامة نفسها، بوصفها ركيزة انتظام العمل الوطني. ودعم الموظفين، في ظل الظروف المعيشية الضاغطة، هو استثمار في استقرار الدولة وكفاءة مؤسساتها، وتحسين مستوى أدائها.

صحيح أن الخزينة تعاني من ضغوط مالية كبيرة، وأن هامش الحركة لا يزال ضيقاً، إلا أن القدرة على تحريك هذه الملفات توحي بأن الإدارة المالية الحالية نجحت في تحسين مستوى الواردات وضبط بعض مكامن الهدر، بما أتاح للدولة هامشاً يسمح لها باستعادة دورها الاجتماعي والإنمائي تدريجياً. وهذا لا يعني أن التحديات قد انتهت، بل أن مساراً تصحيحياً قد بدأ، عنوانه إدارة مالية أكثر فاعلية، وإنفاق موجّه نحو الأولويات.

إن تكريس عودة الدولة إلى تحمّل مسؤولياتها الكاملة لا تتحقق بالشعارات والمزايدات الإنتخابية الرخيصة، بل بالفعل المتراكم والقرارات التنفيذية الملموسة. وما نشهده اليوم، رغم الصعوبات، يؤسس لإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، ويعيد الاعتبار لمبدأ الدولة الصالحة القادرة على الرعاية والحماية والإنصاف، حتى في أحلك الظروف.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق هل تكون نهاية شباط حاسمة وتنتهي معضلة قانون الإيجارات؟
التالى بيروت تستعد لتوقيع اتفاقية مع دمشق للإفراج عن 300 سجين