كتب رامي نعيم في “نداء الوطن”:
لم يعد الخلاف بين “أمل” و “حزب الله” محصورًا بالكواليس. وما يُسرّب منه وبالوقائع وعلنًا، انتقل التراشق السياسي والكلامي إلى مواقع التواصل الاجتماعي. يكتب ناشطون وصحافيون وإعلاميون محسوبون على حركة “أمل” أو منتمون إليها مهاجمين اللامنطق السائد لدى الحليف الأصفر، وداعين لبناء الدولة والاحتماء تحت سقفها، فيما يرد الممانعون بالشتائم والتخوين. تمامًا وكأن النقاش السياسي هذا هو الذي ساد قبل مغامرة حرب الإسناد الشهيرة بين جمهور “الثنائي” وسائر المواطنين الخائفين على مصلحة الوطن.
بعد زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب، أظهر الجنوبيون سيما جمهور “أمل” استقبالًا لائقًا ورغبة حقيقية بأن يكون الجنوب اللبناني دومًا جزءًا من هذه الدولة، فيما تولت أبواق “حزب الله” على وسائل التواصل كافةً اتهام أهل الأرض بأنهم، وهنا اقتباسًا: “نور” ومجنسون.
هذا التوصيف ليس إلا ابن بيئة “الحزب”. ويعرف “حزب الله” الذي تخلّى عنه خصومه وبعض حلفائه، أن مواقف رئيس مجلس النواب ورئيس حركة “أمل” نبيه بري الوطنية تضرّه، وأن رغبة العودة إلى كنف الدولة باتت واقعًا يظهر بوضوح في البيئة الشيعية، وصار يُقال علنًا بعدما كان الكلام كلّه يدور سابقًا سرًا خوفًا من التخوين ومن ردّ فعل المطاوعين المحسوبين على “حزب الله”. ومن هذا المنطلق، يُكثف “حزب الله” عبر أذرعه الإعلامية وأبواقه وجيشه الإلكتروني المتفرغ للشتم والتخوين وحملات الجنون، الهجوم على بري. مع أن الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم حاول تمييع الخلاف والتغطية عليه، إلّا أن البلد صغير ولا تُخفى فيه الأسرار، فيما تتفرغ صحيفة “حزب الله” “الأخبار”، لمهاجمة بري وكعادتها بث الشائعات في حرب عليه استدعت ردًا واضحًا منه.
بات اليوم وبوضوح أن “حزب الله” خصم لجميع اللبنانيين بمن فيهم “أمل” وبري. ويُمكن القول إنه وللمرة الأولى، بات في البيئة الشيعية حضور لرأيين متغايرَين حتى لا نقول متضادَّين.
وفي متابعة للواقع والوقائع، يظهر أن اغتيال الأمين العام الأسبق لـ “حزب الله” السيد حسن نصرالله وحرب الإسناد،لم يبدّلا موازين القوى في البلد والمنطقة فحسب، بل في الطائفة الشيعية أيضًا. حيث كان نصرالله قائد الشيعة في الفترة السابقة فيما ليس قاسم حتمًا القائد الحالي بل بري الذي ينظر الشيعة إليه بصفته الرجل القادر على الانتقال بهم إلى برّ الأمان بعد مغامرة “حزب الله” وتداعياتها عليهم، وفي ظلّ ضعف نعيم قاسم على صعيد الكاريزما والقدرة على الإقناع. وكيف يكون قادرًا على الإقناع وخطاباته من محض الخيال، لا تعترف بالواقع، ولامنطقية وحتى في الخطاب الواحد نفسه يُعارض مواقفه ويحكي نقيضها؟
وإذ ينفي “الحزب” أن تكون أبواقه تتحرك لمهاجمة بري بأمر منه، إلا أننا نعي جميعًا بأن أبواق “الحزب” وعمله الدعائي لا يكونان إلّا بقرار. ومن الذي يقتنع بأن الجريدة الصفراء المعروفة كأداة دعائية بيد “حزب الله” تتحرك وحدها من دون أمر من دوائر “حزب الله”، والتي يبدو أن عملية الـ “ريبراندينغ” فيها تعني تحويل جميع اللبنانيين إلى أعداء له حتى نبيه بري وجزء كبير من الشيعة اللبنانيين.
عادةً، يحاول الغريق التمسك بقشة لينجو. لكن حالة “حزب الله” في لبنان تُثبت أن الغريزة الإنسانية قابلة إلى التحوّل حتى يُصبح الجسد راغبًا فعلًا بالانتحار. ومن هنا، ينطلق “حزب الله” لمعاداة الجميع، وخلق أعداء جدد حتى، ولو كان العدو هو بري، ظنًا منه أنه بخردته وفرقة شتاميه سيكون قادرًا على استعادة السيطرة بدولته العميقة على الدولة، متناسيًا أن الدولة التي يحاول حكمها هي لبنان الذي لا يخضع.



