أخبار عاجلة
لبنان ساحة لأذرع إيران العسكرية -
برجك اليوم -
هل حُسمت مشاركة سعد لمجرد في السينما المصرية؟ -
ظهور نادر لدولفين ريسو قبالة سواحل دهب -
مستشفيات الجنوب تعمل في ظروف صعبة -

المصنع يتعثر والقاع إلى الواجهة.. وبديل ناقص على الحدود

المصنع يتعثر والقاع إلى الواجهة.. وبديل ناقص على الحدود
المصنع يتعثر والقاع إلى الواجهة.. وبديل ناقص على الحدود

خلال أيام قليلة، وجد هذا المعبر نفسه في قلب الحركة، بعدما كان على هامشها. ازدحمت الطرقات المؤدية إليه، وارتفعت وتيرة تنقل المسافرين بين لبنان وسوريا، فيما رفعت الأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية من جهوزيتها للتعامل مع الضغط المتزايد، وبات معبر القاع عمليًا المنفذ البري الوحيد الذي يعمل بشكل كامل بين البلدين، في ظل العمل الجزئي في معبر العريضة.

لكن هذه العودة المفاجئة لمعبر القاع إلى الواجهة، لم تكن نتيجة تخطيط مسبق أو رؤية استراتيجية، بل جاءت كرد فعل اضطراري على أزمة طارئة. وهنا تكمن المشكلة الأساسية: لبنان لا يُحسن إدارة بدائله، ولا يستثمر في خياراته قبل أن تتحول إلى ضرورة.

في آذار عام 2022، اتخذت الحكومة اللبنانية قرارًا برفع تصنيف معبر القاع إلى الفئة الأولى، في خطوة كان يُفترض أن تحمل أبعادًا اقتصادية وتجارية كبيرة، ليس فقط على مستوى منطقة بعلبك الهرمل، بل على مستوى لبنان ككل. وقد سبق هذا القرار إعادة افتتاح المعبر عام 2017، بعد إقفاله خمس سنوات بسبب الحرب السورية، وتزامنت العودة مع إنشاء مركز للأمن العام ونقطة جمارك، في مؤشر إلى نية رسمية بتفعيل دوره. وبالتوازي، رفعت الدولة السورية تصنيف معبر جوسيه المقابل، ما كان يُفترض أن يؤسس لحركة عبور أكثر تنظيمًا وانسيابية، غير أن هذه الخطوات بقيت عمليًا حبراً على ورق.

فعلى الرغم من رفع التصنيف، لم تُواكب الدولة اللبنانية هذا القرار بأي استثمار فعلي في البنية التحتية أو التجهيزات اللوجستية. فالمعبر بصيغته الحالية لا يزال عاجزًا عن أداء دور معبر دولي متكامل: لا أجهزة سكانر حديثة، لا تجهيزات للترانزيت، لا بنى تحتية كافية لاستيعاب حركة الشاحنات، ولا حتى أنظمة إلكترونية متطورة لتنظيم العبور. وهو ما يجعله غير قادر على تعويض غياب معبر المصنع، أو حتى موازنته.

تزداد أهمية هذه الثغرات عند النظر إلى العامل الجغرافي، الذي يشكّل عنصرًا أساسيًا في حركة النقل بين لبنان وسوريا. فالمسافة بين القاع ودمشق تتجاوز 130 كيلومترًا، مقابل نحو 50 كيلومترًا عبر معبر المصنع، ما يفرض واقعًا مختلفًا من حيث الوقت والكلفة. إلا أن هذا الفارق رغم تأثيره، لا يلغي إمكانية تطوير معبر القاع ليكون مسارًا مكمّلًا وفاعلًا، خاصة في ظل الحاجة إلى توزيع الضغط على أكثر من منفذ حدودي، بدل حصره بمعبر واحد. وعليه، لا يُفترض النظر إلى القاع كبديل ظرفي فحسب، بل كجزء من شبكة معابر يمكن أن تعزز مرونة لبنان في مواجهة الأزمات. فتنويع الخيارات الحدودية لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات الأمنية والاقتصادية، وهو ما يجعل الاستثمار في معبر القاع خطوة استراتيجية، لا مجرد معالجة موقتة لظرف طارئ.

ولا يمكن فصل واقع المعابر الرسمية عن المشهد الحدودي الأوسع، حيث تنتشر عشرات المعابر غير الشرعية التي لطالما شكّلت بديلًا غير منظم للحركة بين لبنان وسوريا. ففي الوقت الذي تعجز فيه الدولة عن تجهيز معبر شرعي كالقاع ليكون بمستوى الفئة الأولى، تستمر حركة التهريب والعبور غير الرسمي في استنزاف الاقتصاد، وتقويض أي محاولة لتنظيم التبادل التجاري بشكل قانوني. وهذا الواقع يطرح مفارقة واضحة: الدولة غائبة حيث يجب أن تحضر، وحاضرة فقط في قرارات لا تُستكمل. فكيف يمكن الحديث عن تطوير معبر رسمي، فيما البدائل غير الشرعية تعمل بلا ضوابط وتؤمّن ما تعجز الدولة عن تأمينه؟

ورغم ذلك، فإن أهمية معبر القاع لا تنبع فقط من كونه بديلًا مؤوقتًا، بل من كونه فرصة ضائعة حتى الآن. فالمعبر قادر في حال تجهيزه وتطويره، على لعب دور مكمّل لا منافس لمعبر المصنع، وعلى فتح نافذة اقتصادية حقيقية لمنطقة بعلبك الهرمل التي طالما عانت من التهميش. لكن ما جرى ويجري يختصر المشكلة اللبنانية المزمنة: بنى تحتية غير مكتملة، قرارات غير مستتبعة، واستعداد دائم لإدارة الأزمات بدل منعها. وبين معبرٍ يتعطل وآخر غير مكتمل، تبقى الدولة غائبة حيث يجب أن تكون حاضرة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق المصنع يتعثر والقاع إلى الواجهة.. وبديل ناقص على الحدود
التالى مستشفيات الجنوب تعمل في ظروف صعبة