أخبار عاجلة

الفرصة الأخيرة لإنقاذ الدولة

الفرصة الأخيرة لإنقاذ الدولة
الفرصة الأخيرة لإنقاذ الدولة

كتب شارل جبّور في “نداء الوطن”:

على قاعدة “التعامل بالمثل”، يجب أن يحكم الفريق السيادي من دون أن يتشاور مع أحد، ولا أن يتحاور مع أحد، ولا أن ينسّق مع أحد، ولا أن يلتفت إلى الوراء، ولكن مع فارق جوهري وأساسي، وهو أنه يحكم باسم الدولة والدستور والشرعية، فيما من حكم لبنان على مدى عقود لم يسأل يومًا عن أحد، ولم يتوقف عند رأي اللبنانيين، ولم يلتزم بدستور أو ميثاق أو قانون.

عندما حكموا لبنان خلافًا للدستور، لم يلتفتوا إلى المؤسسات. وعندما حكموا تحت وطأة احتلال النظام الأسدي، لم يأبهوا لإرادة اللبنانيين. وعندما استكملوا هذا المسار تحت عنوان “المقاومة” المرتبطة عضويًا بالمشروع الإيراني الخامنئي التوسعي والتخريبي، لم يعترفوا أصلًا بوجود دولة أو شعب خارج مشروعهم.

رفعوا شعارات تبدأ بـ”وحدة المسار والمصير” ولا تنتهي بـ”شعب واحد في دولتَين”، مرورًا بثنائية “مقاومة وعدو” و”تحرير”، لكن النتيجة كانت واحدة: تحويل لبنان إلى ساحة صراع مفتوحة، وإلى أرض مستباحة للحروب والدمار. أبقوا اللبنانيين في دوامة مستمرة من الأزمات، فلا يكاد البلد يخرج من حرب حتى يدخل في أخرى، ولا يخرج من انهيار حتى يغرق في انهيار جديد.

في ظل هذا الواقع، لم تكُن الدولة سوى أداة. حوّلوها من كيان سيادي إلى جهاز تابع، ومن مؤسسة جامعة إلى ما يشبه “جمعية” وظيفتها الأساسية جباية الأموال من اللبنانيين. لم يكن الهدف بناء دولة، بل تمويل مشاريعهم: حروب، صراعات، تعويضات، وشبكات نفوذ. بهذا المعنى، كانت الدولة تُستخدم كوسيط لنهب الناس. بدل أن يذهبوا مباشرة إلى جيوب اللبنانيين، سخروا الدولة لفرض الضرائب واستنزاف الموارد، ثم توجيهها نحو مشاريع الموت. وهكذا، تحولت الدولة إلى غطاء لسياساتهم، وأصبح الشعب اللبناني يدفع كلفة خيارات لم يكن شريكًا فيها، وهو ضدها في الجوهر والأساس.

النتيجة الطبيعية لهذا المسار كانت واضحة: دولة فاشلة، مؤسسات مشلولة، اقتصاد منهار، ومجتمع منهك. نموذج كامل للانهيار السياسي والاقتصادي، سببه حكم الأمر الواقع، وثقافة الاستقواء بالأسد والخامنئي، ورفض الاحتكام إلى الدستور والقانون، وإلحاق لبنان بمشاريع فوضى وموت.

اليوم، ما يُطرح ليس مجرد تغيير في أداء السلطة، بل انقلاب كامل في منطق الحكم. المطلوب أن تعود الدولة لتحكم، ولكن هذه المرة باسم الدستور، وباسم القوانين، وباسم الشعب اللبناني. المطلوب دولة لا تلتفت إلى الخلف، ولا ترتهن لمن انقلب عليها، ولا تساوم على سيادتها.

نعم، الدولة أمام لحظة “تعامل بالمثل”، ولكن ليس بالأسلوب، بل بالحسم. هم حكموا من دون أن يسألوا أحدًا، أما الدولة اليوم فعليها أن تحكم أيضًا من دون أن تسمح لأحد بعرقلة قيامها، ولكن ضمن إطار القانون والشرعية.

الدولة اليوم مطالبة بأن تمضي قدمًا في قراراتها بنزع سلاح “حزب الله”، وفي إعادة بناء مؤسساتها، وفي استعادة سيادتها، وفي فتح مسار الاستقرار، بما في ذلك الذهاب إلى خيارات كبرى، كالسلام وإعادة تموضع لبنان ضمن الشرعية الدولية. وليس مطلوبًا منها أن تستأذن من عطّلها لعقود، أو أن تراعي من قاد البلاد إلى الانهيار. هذه ليست دعوة إلى الإقصاء، بل إلى الحسم. من يريد دولة، فمرحبًا به. ومن يرفضها، فهذا خياره، لكنه لا يملك حق تعطيلها بعد اليوم، وإذا فعل يجب أن يواجه بالقوة، لأن الانقلابي لا يواجه بالحوار، بل بالحسم.

لقد حُكم لبنان لعقود طويلة بقوة الأمر الواقع، وبالسلاح، وبالاحتلال، وبالوصاية، وبالشعارات. اليوم، آن الأوان أن يُحكم بالقانون، وبالعدالة، وبالقيم الإنسانية. آن الأوان أن يستعيد اللبنانيون دولتهم، وأن يضعوا حدًا لمسار طويل من الفشل والانهيار. هذه لحظة تاريخية بكل ما للكلمة من معنى. فرصة نادرة قد لا تتكرر. وإذا لم تُستثمر الآن، فقد يُكتب على لبنان أن يبقى أسير دوامة الفشل.

لذلك، القرار يجب أن يكون واضحًا: المضي حتى النهاية في التفاوض من جهة، وفي تنفيذ قرارات الحكومة بنزع سلاح “حزب الله” من جهة أخرى. لا تردد، لا مساومة، ولا التفات إلى الوراء. فلبنان الذي عرفه أبناؤه، كدولة حرّة وتعددية ومستقلة، يستحق أن يُستعاد. ومن حوّل حياة اللبنانيين إلى ليل طويل، لا يجب أن يُسمح له بعد اليوم بأن يحجب الفجر.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق عون وبن سلمان يبحثان التطورات: تأكيد الدعم السعودي للبنان
التالى اشتباكات بين “الحزب” والجيش الإسرائيلي في الخيام