كتب داود رمال في “الانباء الكويتية”:
في وقت تتصاعد فيه المؤشرات الميدانية والإعلامية حول نوايا إسرائيلية لإعادة طرح فكرة الاستيطان في جنوب لبنان، تعود منطقة جنوب نهر الليطاني إلى واجهة النقاش السياسي والأمني، وسط مخاوف من محاولات فرض وقائع جديدة تحت غطاء الحرب والتوتر الحدودي.
وقال مصدر نيابي معني لـ«الأنباء»: «ما يصدر عن مجموعات استيطانية إسرائيلية لا يمكن التعامل معه بوصفه تحركات استفزازية لا غايات حقيقية لها، بل يجب قراءته في سياق تفكير استراتيجي قديم داخل إسرائيل يعتبر أن جنوب الليطاني يشكل امتدادا جغرافيا وأمنيا لما تسميه الأوساط الإسرائيلية بالجليل الشمالي. والتقليل الرسمي الإسرائيلي من شأن هذه الدعوات لا يلغي خطورتها، خصوصا عندما تتزامن مع استعدادات عسكرية وتصعيد على الجبهة الشمالية».
وشدد المصدر على أن «نهر الليطاني هو محور أساسي في الأطماع التاريخية المرتبطة بالأمن المائي الإسرائيلي. فالنقاشات التي رافقت قيام إسرائيل عام 1948، تضمنت مقاربات واضحة حول أهمية الوصول إلى الليطاني أو وضعه ضمن نطاق نفوذ يحقق مكاسب مائية واستراتيجية، وأي حديث عن استيطان جنوب النهر يعيد إحياء هذه الفكرة بصيغة محدثة، تربط بين الأمن الدائم والسيطرة على الموارد».
وأشار المصدر إلى أن «السرديات التي تروج لها بعض الحركات الإسرائيلية حول «تصحيح الحدود» تعيد استحضار ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، في إشارة إلى اتفاقية سايكس بيكو، باعتبارها السبب في رسم ما يزعمون انه حدود «غير عادلة» من وجهة نظرهم. هذا الطرح يتجاوز البعد الأيديولوجي، ليشكل غطاء سياسيا لمحاولات إعادة رسم المجال الحدودي شمالا، سواء في جنوب لبنان أو في مناطق أخرى مجاورة».
ولفت المصدر إلى أن «تجربة» الحزام الأمني«التي فرضتها إسرائيل في جنوب لبنان بين 1978 و2000، تشكل نموذجا عمليا لكيفية ترجمة النظرية الأمنية إلى واقع ميداني، تحت عنوان حماية المستوطنات الشمالية. كما أن الربط بين الأمن والاستيطان لا يزال حاضرا في جزء من العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، حيث ينظر إلى الوجود السكاني الدائم كأداة لتكريس السيطرة العسكرية».
وأضاف: «المخاوف اللبنانية لا تقتصر على البعد الأمني، بل تشمل أيضا الأبعاد الاقتصادية المرتبطة بالأراضي الزراعية الخصبة في الجنوب، وبالتحولات التي يشهدها شرق المتوسط على مستوى الغاز والطاقة، وأي محاولة لتغيير الوقائع البرية قد تنعكس مستقبلا على معادلات البحر وترسيم الحدود والثروات، ما يجعل المسألة مترابطة بين البر والبحر في آن معا».
وأكد أن «لبنان بوصفه دولة ذات سيادة وعضوا في الأمم المتحدة، يستند إلى القرارات الدولية ولاسيما القرار 1701، وأن أي محاولة لفرض بؤر استيطانية جنوب الليطاني تمثل خرقا مباشرا لهذه الترتيبات وتهديدا للاستقرار الإقليمي».
وشدد «على أن ما يجري اليوم لا يمكن الا اعتباره مؤشرا إلى استمرار تيار داخل إسرائيل يرى أن حدود 1948 ليست نهائية، وأن الصراع على الجغرافيا والمياه والثروات لا يزال مفتوحا، الأمر الذي يفرض على لبنان أعلى درجات اليقظة السياسية والديبلوماسية في المرحلة المقبلة».



