كتب عيسى يحيى في “نداء الوطن”:
عند كل دورةٍ انتخابيّة، تُرفع عناوين كبيرة بحجم الأزمات المتراكمة، وتُقدَّم للناس على أنها مفاتيح الخلاص. ففي البقاع الشمالي، حيث الحرمان ليس توصيفًا إعلاميًّا بل واقعًا يوميًّا، كان الوعد بإنشاء مجلس إنماء لمحافظة بعلبك الهرمل واحدًا من تلك المفاتيح الموعودة. قيل يومها إن المنطقة التي لطالما دُفعت إلى هامش الدولة ستدخل أخيرًا في صلبها، وإن نموذج مجلس الجنوب يمكن أن يُستنسخ هنا، فيتحوّل منطق المعالجات الأمنية والإنماء الخجول إلى خطة مؤسّساتية مستدامة تعالج البنى التحتية، وتخلق فرص عمل، وتعيد وصل ما انقطع بين الناس والدولة.
في انتخابات 2018، رفع “حزب اللّه” شعار “نحمي ونبني”، وكان مشروع المجلس الإنمائي جزءًا من برنامج انتخابي قُدّم بوصفه ترجمة عملية لفكرة البناء. لم يكن الوعد تقنيًا أو عابرًا بل صيغ كمدخلٍ لتغيير بنيويّ في مقاربة الدولة للمنطقة. وبعد عام واحد، أي في 2019، قُدّم اقتراح قانون لإنشاء مجلس إنماء يكون مركزه مدينة بعلبك، مهمته القيام بجميع الأعمال التي تؤول إلى المساهمة في تلبية حاجات المنطقة الإنمائية والاجتماعية والاقتصادية. وانعقدت جلسة مشتركة للجان المال والموازنة، الإدارة والعدل، الدفاع الوطني والداخلية، الأشغال العامة والنقل، الطاقة والمياه، برئاسة نائب رئيس مجلس النواب حينها إيلي الفرزلي، وكان من بين الاقتراحات إنشاء مجلسين: واحد لبعلبك الهرمل وآخر لعكار والشمال. يومها أجمعت اللجان على وجود حرمانٍ حقيقي، وعلى ضرورة إيجاد السبل السريعة لتوفير هذا الإنماء.
ومنذ 2019 حتى اليوم، لم تُستكمل السبل السريعة، ولم يُقرّ المجلس، ولم تُترجم الوعود إلى مؤسسة قائمة بميزانية وصلاحيات، بقي المشروع في الأدراج، فيما تفاقمت الأزمات. في الشمال وتحديدًا في طرابلس، انهارت أبنية على رؤوس ساكنيها، وتحوّلت أزمة الأبنية المهدّدة إلى مأساة دورية. ولو وُجد مجلس إنماء فاعل بآلية طوارئ وتمويل واضح، لكان ممكنًا إطلاق مسح هندسي شامل، ووضع خطة تدعيم أو إخلاء وتعويض، بدل انتظار الكارثة. وفي بعلبك الهرمل، استمرّ الشعور بأن المنطقة خارج الأولويّات، وأن الدولة تحضر أمنيًا أكثر ممّا تحضر تنمويًا، فيما الاقتصاد المحلّي يختنق، والهجرة تتزايد، وصورة المنطقة تُختزل بملفات التهريب والمخدّرات.
السؤال اليوم لم يعد تقنيًّا حول مسار اقتراح قانون، بل سياسيًا مباشرًا يتصل بأداء الجهة التي رفعت الشعار وتبنت المشروع. حين رفع “حزب اللّه” عنوان “نحمي ونبني”، قدّم نفسه بوصفه صاحب قدرة على الجمع بين القوّة والإنماء، بين الحضور الأمني والحضور الخدماتي. لكن بعد سنوات على الوعد، لا مجلس أُنشئ، ولا خطة وُضعت، ولا جدول زمنيًا أُعلن. لم ينجح نواب “الحزب” في بعلبك الهرمل، الذين يملكون كتلة وازنة وحضورًا سياسيًا مؤثرًا داخل السلطة، في تحويل الإجماع النيابي إلى إنجاز تشريعي، وهنا لا يعود الحديث عن عرقلة من خصوم، بل عن مسؤولية مباشرة لمن قدّم الوعد وتعهّد به أمام الناس.
الأخطر أن المشروع لم يسقط بفعل مواجهة سياسيّة، بل ذاب بصمت. لم نسمع معركة تشريعية حقيقية للدفع به إلى الإقرار، ولا ضغطًا علنيًا، ولا كشفًا للرأي العام عن أسباب التعطيل. وإذا كان “الحزب” قادرًا على فرض أولويّات كبرى في ملفات استراتيجية، فكيف يعجز عن فرض أولويّة إنمائية لمنطقة تُعدّ من بيئته الحاضنة؟ يفتح هذا التناقض الباب أمام سؤال مشروع: هل كان مجلس الإنماء خيارًا جديًّا، أم عنوانًا انتخابيًا موقتًا استُخدم لحشد الأصوات ثم رُكن جانبًا بعد انتهاء الحاجة إليه؟
اليوم، ومع اقتراب كل استحقاق جديد، تعود العناوين ذاتها تقريبًا، فيما الواقع على الأرض لم يتبدّل جذريًا. فالإنماء لا يُقاس بالخطب ولا بالشعارات، بل بمؤسّسات تُنشأ ومشاريع تُنفذ وأرقام تُعلن، وإذا لم يُحاسَب من وعد ولم يفِ، فإن البرامج الانتخابية ستتحوّل فعلًا إلى ما يشبه المُخدّر السياسي، لتصبح جرعة أمل تُعطى للناس كلّ أربع سنوات، ثم يُطلب منهم الصّبر أربعًا أخرى.



