كتب زياد البيطار في “نداء الوطن”:
نشرت وكالة “فارس” الإيرانية تقريرًا قارنت فيه بين النموذج الأميركي والنموذج الإيراني في الشرق الأوسط، معتبرةً أن الولايات المتحدة تقدّم الأمن للدول مقابل المال، في حين يقوم النموذج الإيراني على مبدأ الاكتفاء الذاتي ونقل المعرفة.
أغفل التقرير الإشارة إلى أن الولايات المتحدة توفر الحماية للدول، وتدعم وتسلّح الجهات الشرعية في الدول العربية والخليجية ضمن أطر رسمية، مقابل اتفاقيات واضحة، ولا تقدّم دعمًا عسكريًا لجماعات غير شرعية خارجة عن سيطرة الدولة ومؤسساتها. الإشكالية لا تقتصر على البعد المالي فحسب، بل تمتد إلى مسألة السيادة، حيث إن دعم أطراف غير رسمية قد يؤدي إلى تقويض سلطة الدول وإضعاف سيادتها.
مسألة المال تبقى عنصرًا محوريًا في سياسة طهران، التي لا تعطي أولوية لمفاهيم السيادة أو علاقات الجوار المتكافئة، بل تعتمد، على أدوات ضغط متعددة، من بينها التهديدات في الممرات البحرية، ولا سيما في مضيق هرمز، لتحقيق مكاسب سياسية ومالية أو عبر أذرعها المسلحة داخل الدول عبر تهديد الحكومات والأنظمة بالانقلابات والاغتيالات.
وأشار التقرير الإيراني إلى أن قدرات تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة وتطويرها قد انتقلت إلى كل من اليمن والعراق و”حزب الله” في لبنان، حيث وصلت هذه الأطراف إلى مرحلة الإنتاج المحلي للأسلحة المتقدمة
كما أوضح أن طهران اتجهت إلى تبني نهج يقوم على نقل التكنولوجيا والمعرفة بدلًا من الاكتفاء ببيع المنتجات العسكرية، مع التركيز على التدريب وإنشاء خطوط إنتاج محلية، عوضًا عن إرسال أسلحة جاهزة فقط.
تشير هذه الفكرة إلى أن امتلاك بنية تصنيع عسكري محلية لا يقتصر على الإنتاج في الظروف الطبيعية، بل يمنح الجهات المعنية قدرة عالية على التعافي السريع بعد الضربات العسكرية. فبدل الاعتماد على خطوط إمداد خارجية قد تتعطل أو تُستهدف، يتيح التصنيع الداخلي إعادة تشغيل الإنتاج خلال فترات زمنية أقصر، حتى في ظل بيئة أمنية معقدة.
كما أن اعتماد نماذج إنتاج لامركزية، قائمة على ورش متعددة ومواقع متفرقة، يحدّ من تأثير أي استهداف مباشر، إذ لا يؤدي تدمير موقع واحد إلى شلل كامل في المنظومة. هذا النمط يعزز مرونة البنية العسكرية، ويجعلها أكثر قدرة على التكيّف مع الضغوط المستمرة.
إضافة إلى ذلك، إن توفر المعرفة التقنية محليًا، إلى جانب التدريب المستمر، يسمح بإصلاح الأضرار، وتطوير النماذج القائمة، وحتى إدخال تحسينات على القدرات العسكرية رغم استمرار التحديات. وبالتالي، لا تقتصر المسألة على إعادة البناء فقط، بل تمتد إلى التطوير المستمر، ما يخلق دورة متواصلة من التعافي والتحديث في آن واحد.
يمثل نموذج “حماس” في قطاع غزة حالة متقدمة لصناعة عسكرية محلية نشأت وتطورت تحت ضغط الحصار، ما جعله مرجعًا عمليًا لأي تنظيم يسعى إلى تقليل اعتماده على الخارج. فقد نجحت “كتائب عز الدين القسام” في بناء منظومة إنتاج تعتمد على الاكتفاء الذاتي، من خلال شبكة واسعة من الورش والمصانع، كثير منها يعمل تحت الأرض، مع قدرة واضحة على توظيف المواد المدنية في تصنيع أدوات عسكرية.
هذه التجربة لم تعد محصورة في غزة، بل باتت تشكّل مصدر إلهام واضحًا لـ “حزب الله” في لبنان، خاصة في ظل التحولات الإقليمية التي قيّدت خطوط الإمداد التقليدية. وتشير التقديرات إلى أن “الحزب” بدأ يتجه تدريجيًا نحو تبني عناصر أساسية من هذا النموذج، وعلى رأسها مبدأ اللامركزية في الإنتاج، وإنشاء بنى تحتية صناعية موزعة ومخفية، تقلّل من تأثير الضربات الجوية وتمنح قدرًا أكبر من الاستمرارية.
كما أن فكرة تحويل المواد ذات الاستخدام المزدوج إلى أدوات عسكرية، والتي برزت في تجربة “حماس”، تبدو قابلة للتطبيق في البيئة اللبنانية، بما يتيح مرونة أكبر في الإنتاج وتقليل الاعتماد على مصادر خارجية. إلى جانب ذلك، فإن الاستفادة من الأنفاق أو البنى التحتية المخفية كحاضنة للإنتاج والتخزين تمثل خيارًا استراتيجيًا لتعزيز القدرة على الصمود.
وبينما يمتلك “حزب الله” قدرات عسكرية وتقنية تفوق ما لدى “حماس”، فإن التحديات الجديدة التي يواجهها، خصوصًا على صعيد الإمداد، تدفعه إلى الجمع بين تفوقه التقني من جهة، ونموذج الإنتاج المحلي اللامركزي من جهة أخرى. وبهذا المعنى، لا ينسخ “الحزب” تجربة غزة بالكامل، بل يعيد تكييفها ضمن سياق لبناني أوسع، بهدف بناء منظومة إنتاج قادرة على الاستمرار والتعافي، حتى في ظل تصعيد عسكري طويل الأمد.
وفي التفاصيل، طوّرت “حماس” قدرة منهجية على تحويل مواد مزدوجة الاستخدام، تُصنَّف مدنيًا في ظاهرها، إلى استخدامات عسكرية. من أبرز هذه التطبيقات استخدام أنابيب المياه الفولاذية في تصنيع هياكل الصواريخ، إضافة إلى توظيف مركبات كيميائية بسيطة مثل السكر ونترات البوتاسيوم، وهي مادة تُستخدم على نطاق واسع كسماد، في إنتاج وقود صاروخي صلب.
بالإضافة إلى اعتماد عمليات جمع وتفكيك الذخائر الإسرائيلية غير المنفجرة، حيث طوّرت “حماس” فرقًا تقنية متخصصة تعمل على استخراج مواد متفجرة عالية الجودة ومكونات قابلة لإعادة الاستخدام.
يُعدّ ما يُعرف بالوقود الدافع الصلب أحد المفاهيم الأساسية في هندسة الصواريخ، حيث يقوم على مبدأ كيميائي بسيط يتمثل في الجمع بين مادة قابلة للاحتراق وأخرى مؤكسِدة قادرة على توفير الأكسجين اللازم للاشتعال دون الحاجة إلى الهواء الخارجي.
تستخدم مواد ذات طابع مدني مثل السكر كمصدر للوقود، إلى جانب مواد مؤكسدة شائعة الاستخدام الصناعي مثل نترات البوتاسيوم، وهي مادة تُستخدم أيضًا في الأسمدة. ويستند هذا التفاعل إلى مبدأ الاحتراق السريع، حيث يؤدي تفاعل المادتين إلى إطلاق كميات كبيرة من الغازات الساخنة في وقت قصير، وهو ما يولّد القوة الدافعة التي تعتمد عليها بعض أنظمة الدفع الصاروخي.
يتّجه حزب الله بشكل متزايد نحو إعادة صياغة منظومته العسكرية على أساس التصنيع المحلي، في ظل تراجع الاعتماد على خطوط الإمداد الخارجية وازدياد تعقيد البيئة الإقليمية. ويستند هذا التحول، إلى قناعة داخلية بأن بناء القوة لم يعد ممكنًا عبر لوجستيات خارجية، ما فرض إعادة توجيه مركز الثقل من التهريب إلى الإنتاج والتصنيع.
وفي هذا السياق، يبرز توجه استراتيجي يقوم على نقل قدرات التصنيع إلى الداخل اللبناني، في إطار ما يُوصف بأنه محاولة لترسيخ القدرة الذاتية على إنتاج الأسلحة، باعتبارها عنصرًا أساسيًا لاستمرار “الحزب” كقوة عسكرية فاعلة ووكيل إقليمي لإيران. هذا المسار ليس جديدًا بالكامل، إذ سبق أن شهدت السنوات الماضية انتقالًا تدريجيًا لبعض عمليات الإنتاج من إيران إلى سوريا، قبل أن تمتد لاحقًا إلى داخل لبنان. إلا أن التطورات الأخيرة، جعلت من هذا الاتجاه ضرورة استراتيجية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
التحول في بنية “حزب الله” لم يكن ممكنًا دون تطور موازٍ في العقيدة الإيرانية، التي انتقلت من دور مزود مباشر بالسلاح إلى دور “وسيط معرفة” يركز على نقل الخبرات والتكنولوجيا العسكرية. ويحقق هذا النموذج لإيران و “حزب الله” مجموعة من الأهداف، أبرزها تقليل التعرض للاستهداف المباشر خلال عمليات النقل، وتعزيز هامش الإنكار السياسي، إضافة إلى خفض الكلفة اللوجستية المرتبطة بسلاسل الإمداد التقليدية.
أخبار متعلقة :