حين تصبح الطريق عبئًا يفوق الراتب!

حين تصبح الطريق عبئًا يفوق الراتب!
حين تصبح الطريق عبئًا يفوق الراتب!

كتبت رماح هاشم في “نداء الوطن”:

في بلدٍ يرزح تحت وطأة أزمة اقتصادية تُعدّ من الأشد في تاريخه الحديث، لم تعد التحديات المعيشية مجرّد أرقام في تقارير مالية، بل تحوّلت إلى واقع يومي يُثقل كاهل المواطنين في تفاصيل حياتهم الصغيرة. فقد أدّى ارتفاع معدلات التضخم، وتقلّص القدرة الشرائية إلى إعادة تشكيل نمط الحياة بشكل جذري، بحيث بات تأمين الأساسيات تحدّيًا في حدّ ذاته.

في الوقت الذي تتآكل فيه المداخيل بوتيرة متسارعة، تتفاقم الأعباء المرتبطة بالسلع والخدمات الأساسية، وعلى رأسها النقل، الذي يُعدّ شريان الحركة للعمل والدراسة والحياة الاجتماعية. ومع غياب منظومة نقل عام فعّالة ومنظمة، يعتمد اللبنانيون بشكل شبه كامل على وسائل نقل خاصة غير مستقرة التسعير، ما يجعلهم عرضة لتقلبات يومية تزيد من حدّة الضغط الاقتصادي.

كما أن ارتفاع أسعار المحروقات بشكل متكرّر انعكس مباشرة على كلفة التنقل، فباتت المسافات القصيرة تشكّل عبئًا ماليًا لا يُستهان به، في ظل غياب أي آلية دعم أو ضبط واضحة. هذا الواقع ساهم في تعميق الفجوة الاجتماعية بين مختلف الفئات، حيث بات الوصول إلى مكان العمل أو التعليم أو حتى الالتزامات اليومية مرتبطًا بقدرة الفرد المالية بشكل مباشر.

في ظلّ الانهيار الاقتصادي المتواصل في لبنان، لم تعد كلفة المعيشة تقتصر على الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، بل امتدّت لتطال أحد أبسط مقوّمات الحياة اليومية: التنقل. ومع الارتفاع اللافت في تعرفة «السرفيس»، التي وصلت إلى نحو 400 ألف ليرة، وإلى 150 ألفًا لـ «الفان»، تحوّل بدل النقل إلى عبء مالي ثقيل يوازي في بعض الأحيان جزءًا كبيرًا من دخل الأفراد.

هذا الواقع يزداد قسوة في ظلّ التراجع الكبير في الرواتب، نتيجة الأزمة الاقتصادية والتطورات الأمنية التي فرضت على العديد من المؤسسات اعتماد إجراءات تقشفية صارمة. فقد لجأت شركات إلى خفض الأجور بنسبة 20 %، وأخرى إلى حدود 50 %، فيما منحت مؤسسات عدة إجازات قسرية من دون أجر، ما جعل القدرة الشرائية للمواطنين في أدنى مستوياتها.

شهادات… ومعاناة
في هذا السياق، يروي أحمد، وهو موظف في شركة خاصة، معاناته اليومية قائلًا: «راتبي تراجع تقريبًا إلى النصف، لكن كلفة النقل تضاعفت. أدفع يوميًا ما يقارب 700 ألف ليرة فقط للوصول إلى عملي والعودة منه فيما كنت في السابق أدفع ما بين 300 إلى 400 ألف، وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من راتبي يذهب فقط على الطريق». ويضيف: «أحيانًا أفكّر جديًا بترك العمل، لكن لا يوجد بديل، والوضع لا يسمح بالبقاء بلا عمل حتى لو بقي لي القليل».

أما لينا، وهي موظفة في قطاع الخدمات، فتشير إلى أن «بدل النقل لم يعد تفصيلًا بسيطًا، بل بات بندًا أساسيًا في ميزانيتها الشهرية: بتُ أحسب كل تنقل. حتى الذهاب إلى زيارة عائلية يحتاج إلى تخطيط مسبق. أحيانًا أعتذر لأن كلفة الطريق أصبحت أعلى من قدرتي».

ولا تقتصر التداعيات على الموظفين فحسب، بل تطول مختلف فئات المجتمع. يقول أبو وسام، وهو متقاعد: «كنت أزور أولادي وأحفادي بشكل شبه يومي، أما اليوم فأحسب حساب السرفيس. الزيارة التي كانت عادية أصبحت تكلّفني مبلغًا لا يمكن تجاهله». ويضيف بأسف: «حتى العلاقات الاجتماعية تأثرّت».

«عبء ثقيل»
من جهته، أوضح رئيس «اتحادات ونقابات قطاع النقل البري» في لبنان بسام طليس لـ «نداء الوطن»، أن «زيادة تعرفة النقل جاءت نتيجة الارتفاع المستمرّ في أسعار المحروقات»، مشيرًا إلى أن «هذا القرار، رغم ضرورته، ينعكس سلبًا على الموظفين في القطاعين العام والخاص».

وقال طليس: «إن بدل النقل يفترض أن يُعاد النظر فيه بما يتناسب مع الزيادة التي طرأت على تعرفة السرفيس، بما يضمن نوعًا من التوازن بين كلفة النقل وأوضاع الموظفين المعيشية».

ولفت إلى أن «بدل النقل الحالي بات يشكّل عبئًا على العاملين، إذ يستهلك ما بين 25 و 30 % من راتب الموظف، وهو ما يفاقم الضغوط الاقتصادية عليهم».

وفي ما يتعلق بإمكانية تعديل بدل النقل في المرحلة الراهنة، أشار طليس إلى أن «هذا الملف يدخل ضمن صلاحيات ومسؤوليات الاتحاد العمالي العام».

إلى جانب ذلك، يشكو المواطنون من فوضى التسعير بين سائقي السرفيس. إذ يقول أحد الركاب: «لا يوجد سعر ثابت. كل سائق يطلب ما يشاء، خصوصًا في أوقات الذروة أو عند وجود ضغط أمني. نشعر وكأننا تحت رحمة المزاج». هذا التفاوت يعكس غياب الرقابة الفعلية، ويزيد من حالة عدم اليقين لدى المواطنين الذين لم يعودوا قادرين على تقدير كلفة تنقلاتهم بشكل دقيق.

في المقابل، يغيب دور الدولة في توفير بدائل نقل عام فعّالة ومنظمة، ما يترك المواطنين رهينة قطاع خاص غير منظم. فوسائل النقل المشترك محدودة، والبنية التحتية للنقل العام شبه معدومة، ما يعمّق الأزمة ويجعل من التنقل تحديًّا يوميًّا بحد ذاته.

في المحصّلة، لم يعد بدل النقل تفصيلًا يمكن تجاوزه، بل تحوّل إلى أزمة قائمة بذاتها تعكس عمق الاختلال الاقتصادي والاجتماعي في لبنان. ومع تآكل المداخيل وارتفاع كلفة التنقل، بات الموظف عالقًا في معادلة قاسية بين ضرورة العمل واستنزاف الطريق. وما يزيد المشهد تعقيدًا، حساسية الوضع الأمني في البلاد، والتي تحدّ من قدرة الموظفين على المطالبة بحقوقهم أو اللجوء إلى التحركات والاحتجاجات، خوفًا من تداعيات غير محسوبة. وهكذا، يجد الموظف نفسه في موقع المتلقي الدائم للضغوط، يتحمّل وحده كلفة الأزمات المتراكمة، في وقت تتراجع فيه إمكانات الحل، ويغيب فيه الحد الأدنى من الحماية الاقتصادية والاجتماعية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق أسعار النفط ترتفع
التالى أسعار الغاز في آسيا ترتفع