السوريون في ظلّ الحرب: نزوح جديد… ومصير مجهول

السوريون في ظلّ الحرب: نزوح جديد… ومصير مجهول
السوريون في ظلّ الحرب: نزوح جديد… ومصير مجهول

كتب محمد دهشة في “نداء الوطن”:

منذ أن اشتعلت الحرب في سوريا في زمن الرئيس المخلوع بشار الأسد، لم يعرف السوريون طريقًا ثابتًا للاستقرار؛ كانوا دائمًا على أهبة الرحيل، كأن الأرض تُسحب من تحت أقدامهم كلّما ظنوا أنهم بلغوا برّ الأمان. نزوحٌ أول كُتب عليهم، ثمّ تلاه نزوحٌ ثانٍ وثالث، حتى صار الترحال قدرًا يوميًا لا استثناء فيه.

ومع اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان، عاد المشهد إلى بدايته القاسية. آلاف السوريين الذين كانوا يعملون في الجنوب اللبناني وجدوا أنفسهم فجأة في قلب المأساة من جديد، يفرّون كما يفرّ اللبنانيون، يحملون ما تيسّر من حياتهم، ويبحثون عن مكانٍ أقلّ خوفًا. وكأن الحرب تُعيدهم إلى النقطة التي حاولوا الهروب منها يوم غادروا بلادهم أوّل مرّة.

قلّة منهم اختارت العودة إلى سوريا، لا حبًا بالرجوع بقدر ما هو استسلام لدوّامة النزوح التي أنهكتهم. عودةٌ تشبه الانكسار، كأنها إعلان انتهاء رحلة الهروب الأولى، ولو إلى ركام البيوت وذكريات الخراب.

في المقابل، آثر كثيرون البقاء في لبنان، متشبثين بأعمالهم البسيطة، ينتظرون نهاية الحرب، لعلّهم يعودون إلى يومياتهم التي بالكاد كانت تمنحهم حدّ الكرامة وكفاف عيشهم بدلًا من الحاجة وذلّ السؤال.

لكن البقاء لم يكن أقلّ قسوة. بعضهم أصرّ على الصمود في مناطق عمله، لا سيّما في مدينة صور وقراها، فدفع ثمنًا باهظًا. لم تفرّق الغارات بين جنسية وأخرى، ولا بين عاملٍ بسيط ومدني أعزل؛ فسقط ضحايا سوريون تحت القصف، كما في بلدة الحنية حيث تحوّلت لحظة عابرة إلى فاجعة، سقط فيها قتلى وجرحى، لتؤكد أن الهروب من حرب لا يعني النجاة من أخرى.

أمّا الذين نزحوا مجدّدًا، فقد حملتهم الطرقات إلى مدينة صيدا وقرى قضائها، حيث افترشوا الأرصفة والساحات العامة ومواقف السيّارات، وحتى الكورنيش البحري. هناك، بدا المشهد كأنه صورة مكثفة للضياع: عائلات بلا مأوى، وأطفال ينامون على الأسفلت، ووجوه تتقاسم الخوف والانتظار. لم تتسع لهم مراكز الإيواء، أو ربّما لم يُرَد لها أن تتسع، في ظلّ ضغوط تدفعهم نحو خيار العودة.

لا أرقام دقيقة ترسم حجم العودة، لكن تقديرات غير رسميّة، من بينها ما أوردته المنظمة الدولية للهجرة، تشير إلى عودة نحو 150 ألف نازح فقط، فيما بقيت الغالبية عالقة في منطقة رماديّة بين الرحيل والبقاء بانتظار جلاء صورة المشهد المحكوم بالنار والدخان.

في صيدا، تحوّل وجود السوريين في الساحات إلى مشهد يومي ثقيل، سرعان ما تخللته توترات ومشاكل، انتهت بقرار رسمي لإنهاء هذه الظاهرة. تحركت دوريات قوى الأمن الداخلي، وجرى توجيههم إلى مراكز الإيواء، فانحسر المشهد تدريجيًا، ولم تبقَ سوى قلّة على الكورنيش، تتوزع بين خيم يدوية والمبيت في السيارات.

وسط هذا كلّه، تتكثف الحكايات الفردية لتختصر مأساة جماعية. علي المحمد، الذي نزح مع عائلته إلى صيدا، اختار البقاء. لم يكن قراره شجاعة بقدر ما هو ضرورة؛ فهو يعمل في أحد بساتين صور، ويكسب ما يسدّ به رمق عائلته. أمّا منزله في سوريا، فقد صار ذكرى مهدّمة تحتاج إلى مالٍ كثير ليُعاد بناؤها، ومال لا يملكه.

وفي الجهة الأخرى من الحكاية، يقف بشار، ناطور بناية في صور، وقد نزح إلى لبعا، متردّدًا بين البقاء والعودة. يفكر بالرحيل إن طال أمد الحرب، فالنار حين تتمدّد لا تعترف بالحدود، ولا تفرّق بين لبناني وسوري وفلسطيني. الجميع، في نظرها، هدفٌ مؤجل.

هكذا، يجد السوريون أنفسهم مرّة أخرى على مفترق قاسٍ: العودة إلى وطنٍ مدمّر، أو البقاء في أرضٍ تهتز تحت أقدامهم. بين خيارين كلاهما مرّ، يعيشون انتظارًا مفتوحًا على المجهول، حيث لا يقين إلا شيء واحد: أن رحلة النزوح لم تنتهِ بعد.

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق مواقع التواصل تؤجج الفتنة والأرض أوعى من حملات الجنون
التالى اشتباكات بين “الحزب” والجيش الإسرائيلي في الخيام