جاء في “الراي الكويتية”:
«… على إسرائيل أن تدرك في شكلٍ نهائي أن الطريقَ الوحيدَ للأمن هو عبر المفاوضات، لكن عليها أولاً تنفيذ وقْف النار بشكل كامل للانتقال بعدها الى المفاوضات (…) ونحن الآن بانتظار تحديد موعد من الولايات المتحدة لبدئها».
موقفٌ أَطْلَقَه رئيسُ الجمهورية العماد جوزاف عون، وحدّد معه السقفَ الذي تلتزمه الدولةُ وتريد أن تتفيأه في العبور الصعب إلى مرحلة التفاوض الرسمي المباشر مع تل أبيب والتي تُسابِق تاريخ 17 أيار المقبل، موعد انتهاء المهلة المُمَدَّدة من «هدنة لبنان» (3 أسابيع) والمهدَّدة بتصدّعاتٍ كبيرة بفعل تَغَوُّل اسرائيل في خروقها الخطيرة ومضيّ «حزب الله» في التوغّل خلف الخطوط الحمر التي ترسمها السلطة اللبنانية أمام استمرار اقتياد البلاد إلى «حرب تحقيقاً لمصالح خارجية» باعتبار ذلك هو «الخيانة» في عيْنها كما أعلن عون يوم الاثنين.
وجاء موقف عون على «مسرح عملياتٍ» ميداني وسياسي شديد التعقيد، بعدما تَحَوُّلت الخروق الاسرائيلية لوقف النار والإفراط في تفسير واستخدام «حق الدفاع عن النفس» الذي أتاحتْه لها واشنطن في كنف الهدنة، عاملاً يُخشى أن يُفْضي إلى أمرين متشابكين:
– التفريط بالمناخ الذي يُبنى ليهيئ لطاولةِ التفاوض المباشر الرسمي التاريخي، بعد جولتيْ المحادثات التمهيدية على مستوى السفراء في واشنطن والتي انعقدت الثانية منها في حضور الرئيس دونالد ترامب شخصياً في البيت الأبيض الذي أكد سيدّه انه سيوجه دعوة إلى عون لزيارةٍ له أرادها لقمة مع بنيامين نتيناهو يتحفّظ الرئيس اللبناني على أن تكون فاتحةَ المسار التفاوضي الشائك.
– ومنْع استيلاد حاضنةٍ داخليةٍ أوسع لخيار مفاوضات الـ «وجهاً لوجه» مع تل أبيب والمربوط عُضوياً بملف سلاح «حزب الله» الذي يُبْقي جبهة لبنان منذ 2 آذار الماضي رهينة «الجبهة الأم»، إيران، التي يحاول معها الإمساك بحبْل الاستقرار في «بلاد الأرز» من طرفيه، الموصول باسرائيل كما بالداخل اللبناني.
ومكمن الخطورة «المشترك» في الأمرين وفق أوساط مطلعة، أن الحزب يسير في هذا الإطار على «حَبْلٍ مشدود» يُنْذِر بالانقطاع به وزجّ الواقع اللبناني برمّته في منحدرٍ مميت ما زال يحول دونه حتى الساعة موازنة الدولة بقيادة عون بين موجبات استرداد سيادتها الشاملة، بمفهومها العسكري والأمني والدبلوماسي، وبين تَفادي فخّ الدوس على لغم ينفجر بالداخل، وأيضاً الفرامل التي يضعها ترامب لاسرائيل التي تقوم بالنارِ والدم والدمار بما يشبه حَفْرَ تحولاتٍ في الوعي والسياسة وليس مجرد محو عشرات القرى جنوباً عن وجه الأرض.
وإذ يتحكّم بالقرار الكبير لواشنطن بإيصال لبنان إلى شاطئ الأمان على متن اتفاقٍ دائم مع اسرائيل له مسارٌ مستقلّ عن جبهة إيران وإن متزامن معها، عنصران متوازيان هما مداراةُ دينامية «الدبلوماسية والبندقية» في «الساحة الأم»، وَتَحَوُّل الملف اللبناني أولوية قصوى على «دفتر الإنجازات» الممكنة لترامب شخصياً الذي بات أشبه بـ «الفلتر» لتنقية أي تعكيرٍ لهذا الملف، ولو من جانب تل ابيب، فإنّ هذا الالتزام يتعرّض بحسب الأوساط لرياح معاكسة لا يُستهان بها من طهران و«حزب الله» تشكّل نوعاً من «التثقيل» للسلطة في بيروت وخطواتها، وخصوصاً أن الجمهورية الإسلامية لم ترفع الراية بعد عن إلحاق لبنان بمسار اسلام أباد كورقة في جيبها بالحرب أو السلم.
مشاورات هاتفية
ولم يكن عابراً أن تهبّ هذه الرياح على الوضع الداخلي، الذي كان يعيش ارتداداتِ «انكسار الجرّة» بين عون و«حزب الله»، لتصيب تشظياتُ المكاسَرةِ غير المسبوقة على خط رئاسة الجمهورية والحزب – الذي تجاوز كل السقوف في تخوينه عون – علاقة الأخير ورئيس البرلمان نبيه بري الذي كان يُنتظر أن يشارك الأربعاء في لقاء رئاسي ثلاثي في قصر بعبدا يضم أيضاً رئيس الحكومة نواف سلام لتنسيق الموقف في ما خص تحصين الوضع الداخلي والتفاوض، قبل أن يُرجأ ويستعاض عنه بمشاورات هاتفية، ترافقت مع أجواء عن أن رئيس الجمهورية يُجري اتصالات مع واشنطن لضمان التزام اسرائيل وقف النار ووقف قتل المدنيين والمسعفين والصحافيين وجرف المنازل كمدخلٍ للمفاوضات المباشرة، بما يعني تجميد هذه الخطوة ضمناً.
وفي الوقت الذي اعتُبر موقف بري المتردد بالمشاركة في اللقاء الرئاسي – الذي أريد له تحضير «شبكة أمان» داخلية تكون الناظم اللبناني لكل مسار التفاوض و«اليوم التالي» له – قبل حصول وقف النار الكامل، ذات صلة بـ «الرشقة الهجومية» لشريكه في الثنائية الشيعية اي حزب الله على رئيس الجمهورية، واضطرار الأخير للردّ على الحزب «بالمثل» تثبيتاً لأقدام الدولة وخياراتها، لم يتأخّر ظهور ما يشي بأن ما وراء الأكمة قد يكون أصعب من معالجته بسرعة وربما يتطلّب دخولاً من قنواتِ رعايةٍ صديقة للواقع اللبناني قبل أن تتعمق الفجوات الداخلية.
فبعد كلام عون أمام زواره عن انه «في كل خطوة اتخذتها في ما يتعلق بالمفاوضات كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الاعلام»، صدر عن المكتب الإعلامي لبري بيان قال فيه «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، إلا أن الكلام الذي ورد على لسان فخامته أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق تشرين الثاني عام 2024 وموضوع المفاوضات».
وكان عون قال في ما خص «الانتقادات بأن لبنان وافق من خلال البيان الأميركي الذي صدر على اثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءتها على لبنان، إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن الخارجية الأميركية، وهو نفس النص الذي اعتمد في تشرين الثاني 2024 والذي وافق عليه جميع الأطراف في حينه وهو بيان وليس اتفاقاً، لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات».
وأكد «اننا نبذل كل جهد ممكن للوصول الى حل للوضع الراهن بعيداً عن العنف والدماء، وهذا الحل يتحقق بالمفاوضات»، مضيفاً: «إذا اعتقدت إسرائيل انها من خلال الانتهاكات وتدمير القرى الحدودية، بإمكانها الحصول على الأمن، فهي مخطئة، لأنها جربت ذلك قبلا ولم يؤدِ ذلك الى نتيجة(…) والامر الوحيد الذي يمكن ان يحمي الحدود هو عندما تكون الدولة اللبنانية بكامل قوتها موجودة في كامل الجنوب وحتى الحدود الدولية».
وتابع «على إسرائيل ان تدرك بشكل نهائي ان الطريق الوحيد للأمن هو عبر المفاوضات، لكن عليها أولاً تنفيذ وقف النار بشكل كامل للانتقال بعدها الى المفاوضات. ونحن نعمل قدر المستطاع للتخفيف من تبعات الإعتداءات العسكرية على لبنان، ونقوم باتصالات مكثفة من أجل ذلك، ونحن الآن بانتظار تحديد موعد من قبل الولايات المتحدة لبدء المفاوضات، ودول الاتحاد الأوروبي بأسرها والدول العربية دعمت خيارنا بالمفاوضات، وهناك إجماع على مستوى الشعب اللبناني، خصوصاً أهل الجنوب، على ضرورة الانتهاء من الحرب».
وأكد أن «الملف اللبناني بات اليوم على طاولة الرئيس الأميركي، الذي يحمل مكانة خاصة للبنان، وقد أشاد خلال الاتصال الهاتفي بيننا بشكل مؤثر بلبنان وشعبه، وهذه فرصة لنا اليوم علينا الاستفادة منها للعبور ببلدنا الى شاطئ الأمان والسلام».
ولم يكن عابراً على وقع هذه المناخات المشحونة أن تُقابل التقارير عن أن خيار التفاوض مع اسرائيل قد يعرض حياته للخطر بأجواء نُقلت من قصر بعبدا عن أن هذه المعطيات تؤخذ على محمل الجد «ولكن الرئيس عون لن يتراجع» عن هذا المسار.
وفي حين يسعى لبنان الرسمي لإقناع ترامب بأن أي لقاء مع نتنياهو قبل بلورة اتفاق شامل بضمانات أميركية لانسحابٍ اسرائيلي كامل من الجنوب وعودة الأسرى وبت النقاط الخلافية على الحدود، سيعني زيادة منسوب الضغط الداخلي وسيشكل خطوة مبكرة، يتعزّز مسار موازٍ يشي بمحاولة لترييح بيروت قبل بدء المفاوضات المباشرة وتشكيل كاسحة ألغام داخلية من شأنها المزيد من حشْر حزب الله، وذلك عبر تظهيرٍ واضح لإطار التفاوض الأمني والسياسي الذي كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أول مَن بلور ملامحه بإعلانه أن لا نية لدى تل ابيب بإقامة منطقة عازلة دائمة في جنوب لبنان وأن من السابق لأوانه الحديث عن انضمام لبنان الى اتفاقات السلام مع اسرائيل.
أخبار متعلقة :