كتب مايز عبيد في “نداء الوطن”:
مأساة الشمال مع سوء الخدمات واهتراء البُنى التحتية عادت إلى الواجهة من جديد، بعدما كانت ساعتان فقط من المطر يوم أمس كفيلتين بكشف حجم التراكمات والإهمال الممتدّ منذ عقود.
مشهدٌ واحد كان كافيًا ليُظهر طرقات المنطقة وكأنها أيّ شيء إلّا طرقات صالحة للاستخدام، في بلد يفترض أن أبسط حقوقه وحقوق الناس فيه شبكة صرف وشبكة طرقات قادرة على استيعاب شتوة عادية.
بحيرات على الطرقات:
ساعتان من الهطول الغزير حوّلتا عددًا من المحاور الرئيسية إلى برك واسعة من المياه، وإلى بحيرات على الطرقات، شلّت الحركة وعطّلت التنقل بين القرى والمدن. في البداوي، بدا المشهد صادمًا منذ اللحظات الأولى، إذ تحوّل الطريق إلى مجرى مائيّ حقيقي، علق فيه عدد من السيارات لساعات داخل المياه، فيما وجد سائقون أنفسهم محاصرين من دون أي منفذ آمن. ومع ارتفاع منسوب المياه، أصبحت الحركة شبه مستحيلة، في صورة تختصر واقعًا بنيويًا مهترئًا.
ولم يكن الوضع أفضل حالًا في طرابلس ومحيطها، حيث امتدّت برك المياه إلى شوارع داخلية ومفاصل حيوية، ما أدّى إلى إرباك كبير في حركة السير. كما لم يسلم أوتوستراد المنية – دير عمار – طرابلس من المشهد نفسه، إذ غمرت المياه أجزاء واسعة منه، وتسبّبت في إغراق سيارات عابرة وتعطيل مسارات أساسية تربط مناطق الشمال ببعضها. وفي العبدة – عكار، تكرّرت الصورة ذاتها مع تجمّعات مائية كثيفة أعاقت المرور وأوقفت الحركة لساعات.
حركة مشلولة:
ومع اتساع رقعة الأزمة، فضّل عدد كبير من المواطنين عدم التوجّه نحو طرابلس أو متابعة طريقهم باتجاه بيروت، بعدما بات واضحًا أن الطرقات تحوّلت إلى مسالك خطرة، تتطلّب عبور مساحات مائية يصعب تقدير عمقها أو تداعياتها، ما دفع كثيرين إلى تغيير خططهم بالكامل أو التريّث ريثما تنحسر المياه.
عكس السير؟
وكان لافتًا في هذا السياق قيام عدد من السائقين بالسير عكس الاتجاه، ما زاد من حالة الفوضى وصعوبة تنظيم حركة السير أو توجيه المواطنين، خصوصًا في ظلّ ازدحام السيارات العالقة وتداخل المسارات. هذا الأمر ساهم في تعقيد المشهد أكثر، وترك السائقين يواجهون الأزمة بشكل فرديّ وسط ظروف صعبة.
في موازاة ذلك، ارتفعت صرخات المواطنين بشكل واسع، وسط موجة انتقادات حادّة طالت البلديات والجهات المعنية، ووزارة الأشغال، على خلفية التقصير في الصيانة الدورية وغياب أي خطة جدية لمعالجة شبكة تصريف مياه الأمطار. واعتبر الأهالي أن ما يجري لم يعد حالة طارئة، بل نتيجة طبيعية لإهمال مزمن جعل من كل موسم شتاء اختبارًا جديدًا لفشل الإدارة والخدمات.
وبين مشهد الانحسار الموقت للمياه وبقاء الأضرار، تتكرّس حقيقة واحدة: في الشمال، المطر لم يعد حدثًا طبيعيًا فقط، بل كاشفًا دائمًا لواقع بنى تحتية منهكة، وطرقات لا تشبه الطرقات إلّا بالاسم.
أخبار متعلقة :