خبر

آخر معارك “الحزب” عندما يحكي الميدان

كتب نجم الهاشم في “نداء الوطن”:

ماذا يقول الميدان في جبهات الحرب المفتوحة من لبنان إلى إيران؟ وعد «حزب الله» بأنه سيلقن الجيش الإسرائيلي درسًا لا ينساه عندما يبدأ التوغل داخل لبنان، وسبق أن هدّد أمينه العام السيد حسن نصرالله بإبادة جنوده ودباباته وردّد مرارًا أنه بات يمتلك من القوة ما يجعله قادرًا على ضرب أي هدف داخل إسرائيل وأن اليهود سيُقتَلون وهم يتدافعون للفرار عبر المطارات أو عبر زوارق في البحر طلبًا للنجاة. ولكن الواقع مختلف تمامًا. الميدان يقول إن الحزب عاجز عن الصمود ويواجه هزيمة كاملة، وإن هذه آخر معاركه.

منذ دخل «الحزب» في حرب المساندة في 8 تشرين الأول 2023 بعد عملية «طوفان الأقصى» تظهر الوقائع الميدانية أن الحقيقة هي غير ما توقعه. قبل أن تتكشف الأسباب الحقيقية التي جعلت السيد حسن نصرالله يكتفي بالمساندة من دون الدخول في حرب واسعة قد يكون «الحزب» خرج من المعركة نهائيًا. فعلى رغم حرص نصرالله على هذا الحدّ من المواجهة عملت إسرائيل على توسيع الحرب لتجعل من «الحزب» ضحية اندفاعاته العسكرية والأمنية التي ظهر في النهاية أنها كانت مبنيّة على أسس غير ثابتة، وعلى خديعة ناجحة اعتمدتها إسرائيل لتضليله وجعله ينهار في مواجهة واسعة لا حدود لها.

استراتيجية من دون أفق

بنى «الحزب» استراتيجيته العسكرية والأمنية على أساس ما شهدته مواجهات حرب تموز 2006. على مدى ستة أعوام ومنذ انسحاب إسرائيل في أيار 2000 عمل «الحزب» بإشراف وتوجيه من قائده العسكري والأمني الحاج عماد مغنية واللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني، على عدة مستويات:

• بدأ بناء شبكة أنفاق في بلدات الحدّ الأمامي وحاول أن يصل من خلالها إلى داخل إسرائيل التي اكتشفت بعضها وفجّرته. وهو كان يخطّط، كما فعلت «حماس» في غزة، لاقتحام منطقة الجليل كما كان يعلن باستمرار أمينه العام السيد حسن نصرالله.

• زاد من عديده وتدريباته ومن تسليحه ومخازنه. وعمل على تصنيع الصواريخ والمسيَّرات في لبنان، وعلى استيراد الكثير منها من إيران، وكثيرًا ما كشف نصرالله عن أنه بات يمتلك قدرات هائلة في التصنيع عارضًا بيع ما ينتجه.

عندما حصلت حرب تموز 2006 لم تكن إسرائيل قد خطّطت لها. تفاجأت بالعملية التي نفذها «الحزب» داخل الخط الأزرق وأسره جنديين إسرائيليين. واستفاد «الحزب» من عنصر المفاجأة ليوقع بالجيش الإسرائيلي خسائر لم يكن يتوقعها. ولكن على رغم ذلك استطاعت إسرائيل أن تتوغل داخل الجنوب، وأن تفرض اتفاق وقف النار بموجب القرار 1701 الذي نصّ على زيادة عديد القوات الدولية ونشر الجيش اللبناني في الجنوب ونزع سلاح «حزب الله». ولكن على رغم ذلك احتفظ الحزب بسلاحه.

دروس الحرب

استفادت إسرائيل من دروس حرب تموز لتعيد بناء استراتيجيتها العسكرية وتطوّر طريقتها في القتال والمواجهة، وعملت على اختراق «الحزب» أمنيًا وتقنيًا بينما استمرّ «الحزب» في اعتماد استراتيجيته التي باتت مكشوفة. طوال 17 عامًا حافظ «الحزب» وإسرائيل على قواعد الإشتباك. وبينما اضطرّ للقتال في سوريا منذ العام 2012 عملت إسرائيل على اختراقه أيضًا عبر الساحة السورية.

عندما بدأ «الحزب» حرب المساندة كانت إسرائيل قد تمكّنت من الإمساك باللعبة وظهر أن تهديدات نصرالله كانت مجرّدة من الواقع وهذا ما جعله يتردّد ويتحمّل خسارة المئات من عناصره وقيادييه في مواجهة غير متكافئة. عندما بدأت إسرائيل الهجوم الكبير انطلاقًا من عملية تفجير أجهزة البيجر في 17 أيلول 2024، كان نصرالله قد تأخر كثيرًا في اتخاذ القرار وصار ضحيّة هذا التأخير فاغتالته إسرائيل ووجّهت ضربات قاسية للقوى التي بناها «الحزب» الذي عجز أمام الآلة الإسرائيلية. لذلك وافق على اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024.

سيستيم «الحزب» المكشوف

أراد «الحزب» من هذا الإاتفاق أن يعيد بناء هيكليته وسارعت إيران إلى إرسال المئات من قادة الحرس الثوري للإشراف على عملية إعادة البناء. وعمل «الحزب» خلال هذه الفترة على ما سماه بناء سيستيم جديد للتواصل وعلى الخروج من السيستيم السابق الذي كان يعتمده وأيقن أن إسرائيل اخترقته بشكل كبير. ولذلك عمل على إعادة توزيع ما تبقى له من أسلحة وصواريخ ومسيّرات ونقَلَها من مخازنها إلى مخازن جديدة وإلى منازل في المناطق التي يسيطر عليها. وتمكن من نقل الكثير من هذه الأسلحة إلى مناطق جنوب الليطاني مستفيدًا من المماطلة في تنفيذ قرارات الحكومة القاضية بنزع سلاحه. وهو لذلك لم يردّ على الإعتداءات الإسرائيلية التي استمرّت بعد اتفاق وقف النار. صحيح إن إسرائيل كانت تنجح في استهداف عناصر تابعة له كانت تعمل على إعادة بناء بنى عسكرية لـ «الحزب» ولكن الصحيح أيضًا أن حركة «الحزب» في هذا المجال كانت أكبر ممّا كانت تستهدفه وتكتشفه إسرائيل. ولذلك عندما حانت الساعة بعد اغتيال الوليّ الفقيه السيد علي خامنئي في إيران، وبعدما بدأت واشنطن وإسرائيل شنّ الحرب على إيران، فتح «الحزب» النار، بأوامر إيرانية، في الجنوب وبدأت المرحلة الجديدة من المواجهة.

قتال بلا أمل

لم يدخل «الحزب» في هذه الحرب لكي يعيد التوازن في الميدان. لم يكن أمامه خيار آخر ذلك أن القرار كان أصبح كليًّا تحت سلطة الحرس الثوري الإيراني. وطالما أن الحرب ضدّ إيران تعني أن نتائجها ستنعكس حتمًا على لبنان و «الحزب»، وطالما أن إسقاط النظام في إيران يعني حكما سقوط «الحزب» ونهايته، كان القرار بالدخول في هذه الحرب حتى ولو كان القتال من دون أمل بالقدرة على الصمود.

كما نجحت إسرائيل في حرب أيلول 2024 في التوغل البرّي داخل القرى الأمامية نجحت مرّة جديدة وبسهولة أكثر في العودة إلى هذه القرى. سقف الحرب الإسرائيلية هذه المرّة مختلف تمامًا عمّا كان عليه قبل عامين. الهدف المعلن نقل الحدود إلى الليطاني. ربّما تكون هذه خطّة المرحلة الأولى من الحرب المفتوحة ضد «الحزب» التي لا يمكن أن تتوقف إلا بالقضاء عليه وعلى الخطر الذي يشكّله. وهذا يعني أن مواقع «الحزب» في الهرمل وبعلبك والجبال الفاصلة بين لبنان وسوريا لا تختلف عن مواقعه في الخيام وعيترون والناقورة. ولذلك يصبح التوغل البرّي المحدود عند الحدود مقدمة لاجتياح واسع وغير محدود يختلف كليًا حتى عن اجتياح 1982 ويتخطّاه بدرجات بحيث لا يقف عند حدود بيروت وطريق الشام.

فالميدان لا يعمل في مصلحة «الحزب» بل ضدّه والمبادرة تبقى بيد الجيش الإسرائيلي الذي يحتفظ بتفوّقه العسكري والأمني في حرب غير متكافئة يدفع فيها «الحزب» عناصره إلى الموت بطريقة عبثية، وبيئته إلى التوَهان. هي حرب يخوضها من دون أن يقف معه أي طرف داخلي. على العكس الكلّ ضدّه والحكومة ضدّه. وتهديداته بالانقلاب على من يعتبرهم خصومه غير ممكنة. وحتى قدرته على قلب الحكم والحكومة باتت من الماضي. إنها مسألة أيام في معركة قد تكون الأخيرة التي يخوضها «الحزب» تُكتب فيها نهايته حتى لو أرادها نهاية على الطريقة الكربلائية. وهي هزيمة ممتدّة من لبنان إلى إيران.

أخبار متعلقة :