إسرائيل تصرّ على توريط سوريا في لبنان، للمشاركة في عملية نزع سلاح حزب الله. يتجلى ذلك في الضربة الإسرائيلية على قوات الجيش السوري في درعا، التي قدم لها الإسرائيليون سبباً مرتبطاً بمنع دمشق من التحرك باتجاه السويداء، وهو ما وصفته تل أبيب بأنه دفاع عن حلفائها. هذه الضربة جاءت رداً على رفض الرئيس السوري أحمد الشرع كل الضغوط التي مورست عليه للدخول في معركة ضد حزب الله في البقاع لسحب سلاح الحزب، خصوصاً الصواريخ البالستية الدقيقة والبعيدة المدى. وللمفارقة أن الاعتداء الإسرائيلي على جنوب سوريا جاء بعد يوم واحد من إعلان الإسرائيليين إطلاق حزب الله لصاروخ من بعلبك يبلغ مداه بين 250 و300 كلم.
الضغط الإسرائيلي
كان الإعلان الإسرائيلي عن مدى الصاروخ متعمداً، وله هدفان: الأول، سعي إسرائيل للحصول على المزيد من الدعم الأميركي والدولي للضغط بشكل أكبر على الدولة اللبنانية والجيش للدخول في مواجهة مع الحزب وسحب سلاحه على كل الأراضي اللبنانية، وخصوصاً الصواريخ البالستية في البقاع.
الثاني، هو محاولة تخويف لدمشق من مواقع هذه الصواريخ التي يمتلكها الحزب وهو قادر على إطلاقها، وأنه في أيّة لحظة يمكنه أن يغير وجهة إطلاقها نحو سوريا إن اقتضت الحاجة. والهدف دفع سوريا للدخول في عملية استباقية ضد حزب الله، فتستفيد إسرائيل بتشتيت قوة الحزب وإغراقه في معركة جديدة على طول الحدود اللبنانية السورية.
على الأرجح أن لا يتوقف الضغط الإسرائيلي على دمشق، إما من خلال افتعال إشكالات أو زيادة الاعتداءات، أو من خلال السعي لتقديم إغراءات تدفع دمشق للحماسة والتمدد نحو البقاع سعياً وراء توسيع نفوذها وتعزيز دورها. وربما ذلك ينتج عن قناعة إسرائيلية تتكون بصعوبة عن استحالة القضاء على سلاح حزب الله في كل الأراضي اللبنانية. إذ إن كل الرسائل والمواقف التي يعلنها الإسرائيليون وينقلونها إلى المسؤولين اللبنانيين تشير إلى ضرورة تفكيك حزب الله بالكامل والقضاء على قدراته العسكرية وسحب سلاحه وتفكيك كل مؤسساته وبنيانه. وهذا ما أبلغه وزير الخارجية الإسرائيلية جدعون ساعر لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو.
الساحات الأصعب
لن تتمكن إسرائيل من سحب سلاح حزب الله بالكامل من البقاع وكل الجنوب والضاحية، إلا في حال عملت على تشكيل حلف عسكري كبير تنخرط فيه الولايات المتحدة الأميركية، ودول أخرى إضافة إلى الدولتين اللبنانية والسورية. وهذا سيكون بحاجة إلى وقت طويل جداً، لا سيما في ظل المعارك التي تشهدها قرى الخط الأمامي في الجنوب، إذ على مدى أسبوعين لم يتمكن الإسرائيليون من حسم السيطرة على مناطق أساسية وتثبيتها مثل الخيام والطيبة. ذلكَ يعني أن الوضع سيكون أصعب بكثير في حال الانتقال إلى مساحات أوسع. طبعاً إسرائيل تعلن عن نيتها إقامة منطقة عازلة بعمق 15 كلمتراً، وتريد الوصول إلى مجرى نهر الليطاني، وربما تخطيه إلى نهر الزهراني، لكن وقائع الميدان قد تعاكسها، لذا هي تبحث عن خيارات بديلة.
توريط سوريا: الخيار البديل
من بين هذه الخيارات البديلة، زيادة الضغط على الدولة اللبنانية والجيش للدخول في مواجهة مع الحزب والمساهمة في نزع سلاحه. وقد تلجأ إسرائيل لاحقاً إلى ممارسة ضغوط عسكرية على الدولة اللبنانية ومؤسساتها لدفعها إلى التحرك في مواجهة الحزب. وقد قال المسؤولون الإسرائيليون بوضوح إن على الجيش اللبناني أن يضطلع بسحب السلاح. أما الخيار البديل الآخر فهو دفع سوريا للدخول في معركة عسكرية ضد حزب الله لسحب صواريخه وسلاحه من البقاع. وبذلك تكون تل أبيب قد شتّتت قوة الحزب ووضعته بين فكي كماشة، وهذا ما يسهل مهمتها. دمشق التي رفضت ذلك تعرضت لاعتداء إسرائيلي وقد تتعرض للمزيد، كما يمكن لتل أبيب أن تلجأ إلى افتعال مشكلة متعمدة بين سوريا وحزب الله تدفع الطرفين إلى المواجهة.
الشرع يرفض التدخّل
عملياً، تتركّزالمساعي الديبلوماسية على مكان آخر مختلف عن السعي لوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان، وكل ما يجري يرتبط بتدعيم الموقف السوري الرافض للدخول في أيّة مواجهة مع حزب الله والتدخل في لبنان. وفي هذا الإطار، تشير المصادر إلى أن دولاً عديدة دخلت على الخط من خلال تجديد التواصل مع الرئيس السوري أحمد الشرع ومع اللبنانيين والأميركيين لتوفير مظلة دعم للموقف السوري بعدم التدخل. وتقول مصادر ديبلوماسية إنَّ تركيا لعبت دوراً أساسياً، لمنع حصول أي تطور عسكري على الحدود اللبنانية السورية. وفي الإطار نفسه جاء اتصال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالرئيسين السوري واللبناني. وقد كان الشرع واضحاً في الإشارة إلى عدم التدخل، وشدد على أهمية تحرك الدولة اللبنانية لحصر السلاح بيدها ووقف الحرب الإسرائيلية على لبنان.
لبنان وسوريا والخطر الإسرائيلي
يواجه لبنان وسوريا خطراً إسرائيلياً مشتركاً. فنتنياهو الذي يريد تغيير الشرق الأوسط، يريد تغيير دوله ومساحاتها وعقائدها. هو في الأساس لم يتقبل وصول الشرع إلى دمشق، ولا يريد له أن يستمر ويعزز حكمه، وقد تباينت وجهات النظر الإسرائيلية الأميركية بشأن سوريا، خصوصاً أن الرئيس السوري يعبر عن رؤية وتوجه لتحويل بلاده إلى منطلق أساسي للتصدير ولاعتمادها كممر استراتيجي لخطوط التجارة والنفط والغاز بين الخليج والمشرق العربي وأوروبا، وهو يطرح سوريا كخيار بديل عن مضيق هرمز، وباب المندب والبحر الأحمر، كما أنه يريد لها أن تكون الخيار البديل لطريق الهند. أما نتنياهو فيريد العكس، أن يعزز طريق الهند، ويكون صاحب الإشراف عليه ومستجلباً لكل الدول المحيطة بإسرائيل إلى فلكها، ويكون الشرطي المتحكم بها. بذلك ستواصل إسرائيل ضغوطها على سوريا وعمليتها العسكرية في لبنان لإحداث التغيير في البلدين، كما ستسعى إلى دفع البلدين للصراع مع بعضهما بعضاً.
أخبار متعلقة :