خبر

مؤتمر باريس: الالتزام الدولي في اختبار حزم الدولة

كتب أندريه مهاوج في “نداء الوطن”:

تتحرك باريس على أكثر من خطّ في الملف اللبناني، واضعةً نصب عينيها معادلة واضحة: تثبيت الهدنة جنوبًا، منع أي تصعيد بين «حزب الله» وإسرائيل، وتعزيز سيادة الدولة عبر تمكين الجيش ليكون الجهة الوحيدة الحاملة للسلاح على كامل الأراضي اللبنانية. هذه المقاربة الفرنسية، التي تتكرّس سياسيًا ودبلوماسيًا، تجد ترجمتها العملية في مؤتمر دعم الجيش المرتقب في 5 آذار في العاصمة الفرنسية، والذي يُراد له أن يشكّل محطة مفصلية في إعادة تثبيت الاستقرار اللبناني.

تثبيت الهدنة ومنع الانفجار
تنطلق المقاربة الفرنسية من قناعة أساسية: لا استقرار طويل الأمد من دون دولة قوية، ولا دولة قوية من دون مؤسسة عسكرية قادرة على فرض سلطة القانون وضبط الساحة الأمنية. من هنا، فإن دعم الجيش اللبناني لا يُنظر إليه كخطوة تقنية أو مالية فحسب، بل كخيار سياسي استراتيجي يرمي إلى إعادة تكريس مبدأ «احتكار الدولة للسلاح» باعتباره المدخل الضروري لحماية لبنان من الانزلاق إلى صراعات إقليمية قد تتفجر في أي لحظة، خصوصًا في ظل التوترات المرتبطة بإيران وإسرائيل

في هذا السياق، تنشط باريس بشكل مكثف لضمان مشاركة واسعة ووازنة مع تركيز خاص على استقطاب دول مؤثرة تمتلك قدرات مالية كبيرة وقادرة على تأمين دعم ملموس للجيش، سواء على مستوى التدريب أو التجهيز أو توفير تقنيات حديثة تعزز قدرته على أداء مهامه.

تسريع خطة حصر السلاح
غير أن الحذر لا يزال يكتنف الموقف الفرنسي، كما مواقف عدد من الدول الخليجية المعنية. فالمخاوف قائمة من أن يتحوّل المؤتمر إلى مناسبة دبلوماسية رمزية من دون آلية عمل واضحة، أو برنامج مساعدات محدد زمنيًا وماديًا. لا يكمن التحدي فقط في جمع التمويل، بل في تحديد خطة دقيقة لتوظيفه ضمن استراتيجية أمنية واضحة المعالم، تتضمّن مراحل تنفيذية وجداول زمنية قصيرة الأمد، بعيدًا من المواربة السياسية أو التفاهمات الضبابية

في الكواليس، يُتداول همسًا بضرورة تقصير مهلة تنفيذ المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح، بحيث لا تبقى محصورة في نطاق جغرافي محدد، بل تمتد سريعًا إلى كامل الأراضي اللبنانية. يعكس هذا الطرح إدراكًا متزايدًا بأن عامل الوقت حاسم، وأن أي تأخير قد يعرّض لبنان لخطر الانزلاق مجددًا إلى مواجهة إقليمية لا يملك ترف تحمّل تبعاتها.

بين التعهّد والتنفيذ
تعتبر مصادر متابعة أن الأولوية الملحّة اليوم هي تمكين الجيش، خلال فترة وجيزة جدًا، من ضبط الساحة اللبنانية ومنع أي طرف من جرّ البلاد إلى نزاع مسلح، خصوصًا في حال اندلاع مواجهة واسعة بين أطراف إقليمية ودولية يكون لإيران دور محوري فيها. فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية، يبقى ساحة قابلة للاشتعال إذا لم تتوافر مظلة ردع داخلية صلبة.

لكن بين الطموح الفرنسي والواقع اللبناني، مسافة لا يمكن تجاهلها. فحصر السلاح بشكل كامل وفي مدى زمني قصير يطرح تحديات سياسية وأمنية معقدة، في ظل توازنات داخلية دقيقة ووجود قوى مسلحة ذات امتداد سياسي واجتماعي واسع. كما أن نجاح أي خطة يتطلب توافقًا لبنانيًا داخليًا، إلى جانب الغطاء الدولي، وهو عنصر لا يبدو مكتملًا حتى الآن.

الإرادة السياسية قبل الدعم الدولي
يبقى السؤال الجوهري: هل ينجح مؤتمر باريس في التحول من منصة دبلوماسية إلى آلية تنفيذ حقيقية تدعم الجيش وتضع لبنان على سكة استعادة سيادته الأمنية؟ أم أنه سيبقى محطة إضافية في سجل المبادرات الدولية التي تصطدم بواقع الانقسامات المحلية وتعقيدات الإقليم؟

الإجابة ستتوقف على مدى استعداد المجتمع الدولي للانتقال من التعهد إلى الالتزام، ومن التمويل إلى المتابعة الصارمة، وعلى قدرة الدولة اللبنانية على ترجمة الدعم الخارجي إلى قرار داخلي واضح لا لبس فيه: أن يكون السلاح، كله ومن دون استثناء، تحت سلطة الدولة وحدها، وضمن مهلة زمنية محددة.

أخبار متعلقة :