خبر

انتخابات “اللبنانية”: عودة الروح إلى معقل النضال والذكريات

كتب طوني عطية في “نداء الوطن”:

 

قبل 18 عامًا، كان لبنان يُستَنفَر بكل أطرافه وقواه السياسية لمواكبة الانتخابات الطالبية في الجامعة اللبنانية، لا سيما الفرع الثاني منها. من كلية الحقوق والعلوم السياسية، إلى الإعلام والعلوم والهندسة وإدارة الأعمال والتربية وغيرها… كانت معاركها تضاهي الانتخابات النيابية والنقابية، بل كانت تفوقها حماسة وإثارة باعتبارها المؤشر الأصدق والمختبر الحقيقي لقياس المزاج السياسي العام، والوجدان المسيحي على وجه الخصوص.

وفي وقت رزحت فيه بقية الفروع عنوة أو اختيارًا تحت وطأة التبعية والارتهان لأحزاب سلطة الوصاية آنذاك، برز الفرع الثاني كمعقلٍ عصيّ على التطويع ومنصة للمواجهة والتحرر. فمن خلال طلاب “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحرّ” و”الكتائب” و”الأحرار” والمستقلّين وغيرهم، تحولت أروقة الجامعة إلى ساحة صمود عجز النظام الأمني عن كسرها. ومن رحم هذا الصرح، انطلقت شرارة الانتفاضات الشبابية ضد الاحتلال السوري وشكلت الأرضية الخصبة لثورة الأرز عام 2005. كما تجاوزت انتخاباتها الطالبية بُعدها الأكاديمي والتربوي والاجتماعي، وتحوّلت إلى استفتاء شعبي أكد الهوية السيادية وشكّل توازنًا سياسيًّا معنويًّا في وجه الحكم من جهة، وفَرْز التوازنات الداخلية للقوى المسيحية من جهة أخرى.

ومع إعلان رئاسة الجامعة اللبنانية، عودة الاستحقاق الانتخابي في الأسبوع الأخير من شباط 2026، استيقظت في وجدان أجيال وأجيال نيران الحنين إلى زمن الصخب والنضال الجميل. كم من خرّيجٍ اليوم يتمنى أن يكون طالبًا الشهر المقبل. هي عودةٌ لا تُحيي فقط ذكرى الأحداث بحلوها ومرّها، بل تستحضر دورة حياة متكاملة، كانت المحرك الأساسي للمعارضة في لبنان، حيث جسّد الشباب عمودها الفقري. فبعد ضرب الأحزاب المسيحية واعتقال قادتها ونفيهم وعلى رأسهم الدكتور سمير جعجع والجنرال ميشال عون، ومطاردة كوادر الصف الأول الذين لعبوا دورًا مهمًا في إحياء النضال داخل الجامعات والمعاهد والمدارس وتشكيل الخلايا، تسلّم الطلاب دفة القيادة والمبادرة، وشكلوا حينها، مع البطريرك الماروني الراحل مار نصرالله بطرس صفير، جبهة عنيدة وصلبة، قاومت بالموقف والكلمة… وانتصرت.

تلك الميادين لم تكن مجرد كليات، بل كانت مصنعًا للقيادات، ومن رحم ديناميكيتها تخرجت أسماء دخلت الشأن العام، أبرزهم عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب سعيد الأسمر، الذي قاد يومًا إلى جانب رفاقه نبض الطلاب عندما كان رئيسًا لدائرة الجامعة اللبنانية في مصلحة طلاب القوات. محطات كثيرة حفرت عميقًا في مسيرته النضالية، من استشهاد رمزي عيراني وبيار بولس الذي رفع روح المواجهة لديه ولدى العديد من رفاقه، إلى كواليس اجتماعات التخطيط السياسي السرّي البعيدة عن أرصدة الأجهزة الأمنية. وكان للانتخابات الطالبية بكل تفاصيلها واستعداداتها النفسية والمعنوية واللوجستية رونقها الخاص، وما ضاعف من رمزيتها وقيمتها أنها كانت تُنتزع انتزاعًا في أحلك الظروف، حين كان القمع والاضطهاد يلاحقان يوميات الشباب المقاوم.

في السياق، يدعو الأسمر الطلاب من مختلف الأحزاب والتيارات إلى الانخراط في الحياة السياسية والمشاركة في الاستحقاق المرتقب. فالجامعة اللبنانية التي تجسد بتنوعها وتركيبتها المتعددة صورة الوطن الصغير، هي المدرسة الأولى والخلية الأساسية لتنشئة الشباب على ثقافة الديمقراطية وممارستها. إنها المساحة الأرحب لاحتضان تفاعلاتهم الفكرية وتطلعاتهم الحزبية والنقابية والمهنية. ورغم ما كان يتخلل تلك الحقبة من حدّة وصلت أحيانًا إلى مواجهات عنيفة ودموية بين الطلاب، إلا أن حيويتها الاستثنائية المفعمة بالنشاطات السياسية والاجتماعية والفكرية، كانت العامل الأبرز في صقل شخصياتنا، ومنحتنا القدرة على خوض غمار الشأن العام بوعيٍ ونضجٍ وقبول الآخر.

في المحصلة، تضفي عودة الانتخابات إلى الجامعة اللبنانية مادةً سياسية دسمة على المشهد اللبناني الساخن بطبيعته. وإذا كان “الفرع الثاني” قد شكّل خلال المرحلة الماضية بوصلة الحراك والاهتمام، فإن الأنظار قد تتجه نحو الفروع الخرى، لا سيما الواقعة في بيئات “الممانعة”؛ فهل تنجح عدوى التعددية السياسية، في اختراق تلك الكليات، لتفرز تيارات طالبية صاعدة تكسر طوق الهيمنة الأحادية لـ “الثنائي”؟

أخبار متعلقة :