كتب ريشار حرفوش في “نداء الوطن”:
لم تكن زيارة سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد البخاري إلى وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي عاديّة هذه المرّة، بل جاءت في لحظة سياسية حسّاسة ومشحونة، لتحمل أبعادًا تتجاوز البعد الدبلوماسي إلى مضمون سياسي واضح، خصوصًا أنها أتت بعد المواقف السياديّة التي أعلنها رجّي أخيرًا، وما رافقها من حملة سياسية وإعلامية غير مسبوقة من “حزب اللّه”، الذي ذهب إلى حدّ اتهام وزير الخارجية بالتحريض على اللبنانيين وبخدمة إسرائيل، في سرديّة اعتبرها كثيرون بعيدة من الواقع والحقيقة السياسية، ومتناقضة مع جوهر مواقف رجّي التي تندرج في إطار سياديّ بامتياز يهدف إلى إعادة الاعتبار لدور الدولة اللبنانية ومؤسّساتها الشرعية وإلى تثبيت موقع لبنان الرسميّ في علاقاته العربية والدولية.
هذه الحملة، التي لم تبدأ مع آخر موقف لرجّي، بل سبقتها محاولات متكرّرة لاستهدافه سياسيًا وإعلاميًا، اتخذت أشكالًا متعدّدة، من التشكيك بوطنية الوزير ووصمه بتوصيفات خطيرة، إلى الترويج لروايات متناقضة حول موقعه داخل السلطة التنفيذية، حيث تمّ تسويق أخبار تفيد بأنه مستبعد من قبل رئاسة الجمهورية أو رئاسة مجلس الوزراء، في محاولة لإظهاره كوزير معزول سياسيًا، في حين أن الوقائع العمليّة تثبت العكس.
وفي خضمّ هذا المشهد، جاءت زيارة البخاري لتكتسب طابعًا سياسيًا مضاعفًا، لا سيّما أن السفير السعودي جدّد في خلال اللقاء دعم بلاده لبنان وسياسة الحكومة اللبنانية وقراراتها، وهي عبارة لم تمرّ مرور الكرام في الأوساط السياسية، إذ قرأ فيها مراقبون رسالة واضحة مفادها أن السعودية تدعم المسار الذي تمثله وزارة الخارجية في هذه المرحلة، وتتعامل مع رجّي بوصفه واجهة رسميّة لخط الدولة والمؤسّسات، لا كحالة استثنائية قابلة للاستهداف أو التطويق.
ولم يقتصر اللقاء على الشق الدبلوماسيّ، بل تناول ملفات إقليميّة وداخلية أساسية، من التطوّرات في لبنان والمنطقة، إلى عمل لجنة “الميكانيزم” والاجتماعات المرتبطة بها، إضافةً إلى انعكاسات الأحداث الشعبية التي شهدتها إيران على المشهد الإقليميّ وعلى الساحة اللبنانية، فضلًا عن خطة انتشار الجيش اللبناني شمال وجنوب نهر الليطاني، حيث وُصفت أجواء الاجتماع بالإيجابية واللافتة من حيث مستوى الانسجام السياسي والنقاش الصريح حول الملفات الحسّاسة.
ولم تخلُ أجواء اللقاء من الطابع الوديّ الذي عكس متانة العلاقة على المستوى الشخصيّ، حيث بادر السفير البخاري إلى ممازحة رجّي في مستهلّ الاجتماع بالحديث عن الأحوال الجوية إلى الحضور الإعلامي اللافت في الوزارة، ما شجّعه على حدّ تعبيره على التفكير بالصعود إلى بشرّي لممارسة رياضة التزلّج، ليردّ رجّي بدوره ممازحًا أنه يرافقه إلى بشرّي ولكن من دون أن يشاركه في رياضة التزلّج على أن يمضي الوقت في أحد مقاهي المدينة، في مشهد عكس الارتياح المتبادل من دون أن يحجب جديّة الرسائل السياسية.
وفي خطوة تحمل دلالة واضحة، لم يكد ينتهي اجتماع البخاري – رجّي حتى سارعت سفارة المملكة العربية السعودية إلى نشر صورة تجمع الرجلين عبر “إكس”، مرفقة ببيان رسميّ يتناول عناوين المحادثات التي جرت من التطوّرات السياسية الراهنة إلى سبل تعزيز التعاون المشترك بين البلدين الشقيقين، في خطوة اعتُبرت تظهيرًا إعلاميًا مقصودًا للرسالة السياسية الكامنة خلف الزيارة، ورسالة دعم علنية في توقيت دقيق، تهدف إلى قطع الطريق أمام محاولات التشويش التي رافقت الحملة على وزير الخارجية.
وفي قراءة أوسع للمشهد، تبدو زيارة البخاري بمثابة تثبيت لمعادلة جديدة – قديمة في العلاقة اللبنانية السعودية، تقوم على دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وربط أي انفتاح أو دعم عربي وخليجي بوضوح المسار السيادي والإصلاحي، ومن هذا المنطلق، فإن الدعم السعودي لرجّي لا يُقرأ فقط كدعم لشخص الوزير، بل كدعم لنهج سياسيّ يريد إعادة الاعتبار للدبلوماسية اللبنانية كأداة سيادية مستقلة، لا كمنصّة لتصفية الحسابات الداخلية أو لتكريس منطق المحاور.
أخبار متعلقة :