الذين تتبعوا عظات الأحد للبطريرك الماروني ما بشاره بطرس الراعي قرأوا ما بين سطور المواقف أنه كان يقصد بالتحديد "حزب الله" عندما تحدّث عن ضرورة تحرير الشرعية، وكذلك عندما تحدّث عن مشاريع البعض الذين يريدون أخذ البلاد إلى حيث لا يريد معظم اللبنانيين.
وأعتقد البعض أن الراعي سيضع النقاط على الحروف خلال زيارته لرئيس الجمهورية، وأنه سيسمي الأشياء بإسمائها، لكنه لم يفعل وتقصدّ أن يتكلم بصيغة المجهول وعمّم ما قصده في عظات الديمان على الجميع من دون إستثناء، وكان البعض ينتظر منه خطًّا تصاعديًا في مواقفه، لا أن يكتفي بالتعميم ويتحاشى التسمية حتى أنه لم يشر إلى الجهة المحدّدة التي قصدها في كلامه "الأحدي" (نسبة إلى يوم الأحد).
فمن بعبدا، أطلق الراعي شرحاً "مقتضباً" و"سجالياً" حين قال إن ما يقصده هو أن "الحياد يعني أن نلتزم القضايا العربية المشتركة من دون الدخول في صراعات سياسية وعسكرية، أو الدخول في أحلاف، إنما أن نكون المدافع الاول عن العدالة والسلام والتفاهم في القضايا العربية كما الدولية مع استثناء إسرائيل"، في نسخة معدّلة عن "الحياد الإيجابي" للسبعينيات. ولكي يزيد الطين بلّة، لم يوفّق الراعي في تبريره سبب عدم قدرة لبنان على الحياد الكامل، حين ختم كلامه بالقول إن بين لبنان وإسرائيل عداوة... "للأسف"!
وفي هذا المجال لم یدع البطریرك الراعي مجالا للشك بأن مبادرته الى طرح "حیاد لبنان" لیس مجرد طرح سیاسي عابر لتسجیل موقف أو إستدراج تأیید واستعادة وھج، وإنما ھي "مبادرة إنقاذیة" سیسعى جاھدا الى شرحھا وتوضیحھا وتسویقھا وحشد التأیید الداخلي والدولي لھا، وستكون له قریبا زیارة الى الفاتیكان ستكون الأھم منذ اعتلائه سدة البطریركیة حاملا معه مذكرة خطیة بشأن موضوع الحیاد.
ورأت مصادر سياسية أن الراعي لم یقصد في كلامه في بعبدا عن "حصار الشرعیة" التصویب على رئیس الجمھوریة والإشارة إلیه، وإنما یقصد كل من یقاطع بعبدا منتقدا إستغلال البعض موقفه للھجوم على رئیس الجمھوریة.
أما في مسألة الحیاد فعنى أن ھناك دولة قویة وجیشا قویا، ومن أول شروطه أن تكون الدولة قادرة على حمایة نفسھا بنفسھا إذا ما اعتدى علیھا أحد.
وهنا تبرز قراءتان سیاسیتان ومن منظارین وموقعین مختلفین، القراءة الأولى ھي للأوساط القریبة من البطریركیة المارونیة والمطلعة على حیثیات وخفایا مشروع "الحیاد"، وفیھا أن الدافع الأساسي والمباشر للبطریرك الراعي یتمثل في خطورة الأزمة وانعكاساتھا الكارثیة على اللبنانیین وعلى المسیحیین بشكل خاص، ما یجعل أنه لم یعد من الممكن الإستمرار في سیاسة "الترقیع والتأجیل"، وإنما صار الوضع یتطلب الدخول في عمق الملفات وفي "جوھر الأزمة" والمناداة بالحیاد لأنه مفتاح الإستقرار والإزدھار.
القراءة الثانیة لـ"أوساط معترضة ومتحفظة" ولدیھا تحفظات أولا على التوقیت، إذ جاء ھذا الطرح في خضم عملیة ضغوط ومحاصرة لـ"حزب الله" من قبل الأمیركیین وحلفائھم، ویمكن أن یكون جزءا منھا أو أن یوضع في خدمتھا. وتحفظات ثانیا على الغموض الذي یكتنف مفھوم الحیاد ومضمونه وطبیعته ومدى ملاءمته لنظام لبنان السیاسي المركزي ولموقعه الإقلیمي والمشكلات التي یرزح تحتھا (اللاجئون والنازحون...).
في ھذه القراءة "الحذرة جدا" أن الراعي یطرح "شعارا من دون مضمون" ویساھم من حیث یدري أو لا یدري في عملیة تطویق "حزب الله" وإحراجه، متناغما مع الحملة الأمیركیة الھادفة الى تحریض اللبنانیین ضد الحزب عبر ربط الأزمة الاقتصادیة والمالیة بخیارات سیاسیة وصراعات المنطقة، وربط المساعدة للبنان بتغییر سیاسته الإقلیمیة والخروج من صراعات المحاور.
إلا أن عدم تسمية الراعي "حزب الله" بعد لقائه الرئيس عون يطرح أكثر من علامة إستفهام حول ما جرى تداوله في الإجتماع المغلق بين الرجلين.
أخبار متعلقة :