كتب بديع يونس في “نداء الوطن”:
يبدو أن الدولة قرّرت منافسة نفسها بنفسها. وفي بلد مثل لبنان، علّمتنا التجربة أن أيّ تحرّكات “تنافسية” من هذا النوع “ليست بريئة” وقد تصل حدّ الفساد المبطّن عبر صفقات مشبوهة يشهد عليها التاريخ القديم والحديث.
يأتي هذا الشرح المفصّل في سياق هذا المقال، لـ “التنوير” ووضع النقاط على الحروف فنضعه برسم وزيري المالية والتكنولوجيا للاطّلاع على ما قد يحاك من دون علمهما أو من دون إطلاعهما على كافة تفاصيل الملف وجوانبه.
فقبل أيام، كان لافتًا ما أُثير حول اجتماع للبدء بالعمل على مسوّدة طلب عروض ـ قبل إطلاقه رسميًا ـ بهدف البحث بتطوير منصّة رقميّة للمراهنات الإلكترونية (Telebetting)، وذلك من خلال طلب عروض (RFP) مرتقب.
في بحث سريع، تبيّن أن وزارة المال بالتعاون مع وزارة الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تقومان بالتحضيرات لإطلاق ما تسمّيانه “منصّة عالمية المستوى للمراهنات الإلكترونية”، وجرى الاجتماع بمشاركة ممثلين عن وزارة المالية برئاسة المدير العام جورج معراوي وبحضور رئيس اليانصيب الوطني اللبناني هادي حرش وفريقه.
“لا قانونية” تطوير منصة رقمية “جديدة” للمراهنات
بالشكل، لا ضير في ذلك لو كان هذا الكلام قد حصل “قبل” أن تطلق الدولة اللبنانية نفسها مناقصة في هذا السياق، وتستقطب عروضًا ومستثمرين عالميين في هذا المجال فازوا بالمناقصة ووضعوا استثمارات ضخمة استفادت منها الدولة ولا تزال بعشرات ملايين الدولارات. أما إطلاق مناقصة من هذا النوع قبل انتهاء العقد مع الشركة السابقة، فهو رسالة “سيئة ومسيئة” للبنان ولأيّ مستثمر في بلد يبحث اليوم عن إعادة الثقة “المفقودة” للمستثمرين ورؤوس الأموال.
وفي المضمون: هذه الخطوة لا قانونية حيث تتضمّن إطلاق منصّة مراهنات للألعاب الرياضية تحت “اليانصيب الوطني اللبناني” والذي وفق القانون يمتلك حق “المراهنة الهاتفية” (Telebetting) بموجب مرسوم صدر عام 2012، فيما “Telebetting” هو توصيف قانوني واضح يقتصر على المراهنة عبر الهاتف، ولا يمتدّ بأي شكل من الأشكال إلى المراهنات عبر الإنترنت.
في المقابل، حصل Casino du Liban عام 2008، ومن خلال تعديل رسميّ على عقده مع وزارة المالية اللبنانية والدولة اللبنانية، على الحق الحصريّ لتشغيل أنشطة القمار الإلكتروني، بما في ذلك المراهنات الرياضية عبر الإنترنت.
ومنذ ذلك التاريخ، لم تتوقف وزارة المالية عن مراسلة إدارة الكازينو، وحثها على إطلاق هذا المشروع لما يحمله من إمكانات كبيرة لتأمين مورد ماليّ جديد ومهم لخزينة الدولة.
وفي عام 2020، أطلق كازينو لبنان مناقصة دولية علنية شاركت فيها أكثر من 18 شركة، تحت إشراف خبراء بريطانيين مستقلّين. وقد رست المناقصة على شركة OSS، ليتمّ لاحقًا إطلاق منصة BetArabia رسميًّا أواخر عام 2022.
حصرية كازينو لبنان و BetArabia لـ “المراهنات الإلكترونية”
بناءً عليه، أصبحت أنشطة القمار الإلكتروني والمراهنات الرياضية عبر الإنترنت حقًا حصريًا ومكتسبًا لكازينو لبنان، يُمارَس من خلال منصته الشرعية BetArabia .
ويومها، لم يتمّ الطعن بالمناقصة وانقضت الأشهر الثلاثة ليصبح حق الكازينو بحصرية المراهنات الإلكترونية ساري المفعول. وعليه، من غير الجائز قانونيًا أو إداريًا المساس بهذا الحق أو تقويضه، لا سيّما أن كازينو لبنان يشغّل أكثر من 1,100 موظف يستفيدون مباشرة من العائدات المتأتية من هذه المنصّة.
اللافت أن هذه المنصّة وحدها أسهمت خلال السنوات الثلاث الماضية بأكثر من 80 مليون دولار أميركي لصالح خزينة الدولة، وبينها 37 مليون دولار لكازينو لبنان.
وفيما أشار هذا الاجتماع أي بين وزارة المالية والتكنولوجيا و “اليانصيب” إلى مناقصة تضمن منصّة شفافة وذات صدقية ومسؤولة، إلّا أن BetArabia الشرعية والمعترف بها دوليًا وفق المعايير العالمية تلتزم أصلًا التزامًا كاملًا بجميع المعايير الدولية المتعلّقة باللعب المسؤول، وإجراءات “إعرف عميلك” (KYC) ومكافحة تبييض الأموال، فضلًا عن تطبيق حظر صارم على مشاركة أي شخص دون سن الحادية والعشرين.
وبالحديث عن لجنة رقابية لوزارة المالية، فهي نفسها أساسًا التي تُشرف على كازينو لبنان وأي ملاحظات للجنة لا تحتاج إلى منصّات جديدة بل ببساطة تطبّق رقابتها على الكازينو و betArabia.
“المراهنات الرياضيّة” عالميًا
ووفق ما هو معمول به عالميًا، تُعدّ المراهنات الرياضية جزءًا مكمّلًا وأساسيًا من أعمال الكازينوات، لا من أنظمة اليانصيب أو اللوتو. هذا النموذج معتمد في مختلف دول العالم دون استثناء يُذكر.
رسالة إلى وزيري المالية والذكاء الاصطناعي
مع فائق الاحترام، لا خلاف على ما يتمتع به معاليكما من مصداقية ومهنية ونزاهة في إدارة مهامكما ومسؤولياتكما الوزارية. لكن قد يحاول كثيرون، وباتوا معروفين، تغليف أفكار وإظهارها “برّاقة ورنانة” لمصالح ضيقة تحت مظلّات متفاوتة الأهداف. ومن واجب أي صاحب اطّلاع على هذا الملف مشاركة معلوماته خصوصًا عندما يتعلّق الموضوع بحقوق مكتسبة وبمصالح مباشرة للدولة اللبنانية وخزينتها، وتحت هذا البند تندرج هذه المقالة.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، يمكن الاستئناس بما طُبّق هناك، حيث مُنحت أنشطة المراهنات الرياضية لمنصّة القمار الإلكتروني Play 971، في حين لم يُمنح UAE Lottery أي حق يتعلّق بالمراهنات الرياضية. وهو نموذج دولي شائع يقوم على تكامل الكازينو والمراهنات الرياضية ضمن منصّة واحدة متجانسة.
انطلاقًا ممّا تقدّم، يبدو أن أي مشروع يتمّ العمل عليه اليوم ويناقض الوقائع المشار إليها أعلاه ـ يحمل قطبة مخفية تحاك من دون علمكما ـ وهدفها الإضرار بمنصة BetArabia وكازينو لبنان، استكمالًا لمؤامرة إدارتها ليس بالبعيد، السوق السوداء ضد الدولة و BetArabia.
بالخلاصة، فإن أي محاولات اليوم لانتزاع حقوق مكتسبة ومشروعة من BetArabia بنجاحها الباهر وتطوّرها بفترة قياسية لتصبح منصة دولية تدرّ عشرات ملايين الدولارات سنويًا لصالح الخزينة العامة للدولة، وأثبتت ثقة الشركات العالمية بها ووصلت بالرهانات العالمية وباسمها إلى أكبر ملاعب كرة القدم الأوروبية، تبقى مشبوهة لصالح السوق السوداء، وطبعًا لن يسمح وزيرا المالية والتكنولوجيا بذلك لما فيه من مصلحة وطنية بدعم BetArabia وكازينو لبنان في مجالات المراهنات عبر الإنترنت كافة.



